مقالات

د. محمد غالي يكتب: عبقرية يوسف الصديق: “اقتصاديات السنبلة” وأول نموذج لإدارة أزمة ركود اقتصادي

كثيرًا منا يقرأ قصة سيدنا يوسف الصديق بجمود، وكأنها مجرد حكاية دينية للعبرة والعظة، لكن خلف هذه القصة تكمن واحدة من أكثر القصص عمقًا في التاريخ الإنساني؛ للدرجة التي جعلت أشهر كُتاب السيناريو الأمريكيين، Syd Field، ينظر إليها بوصفها نموذجًا للبناء الدرامي يبدأ من بطلٍ يُلقى في البئر، ثم يُباع عبدًا، ويدخل السجن، ثم يخرج ليصبح صاحب القرار في إدارة اقتصاد دولة كاملة بحجم مصر. ولعل أكثر لحظةٍ مفصلية في هذه القصة هي تلك اللحظة التي وقف فيها سيدنا يوسف ليشرح رؤيا الملك:

سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخرُ يابسات. لم يكن ذلك مجرد تفسير حلم، بل كان -بلغة الاقتصاد الحديث- دورة اقتصادية كاملة، سنوات رخاء يعقبها انكماش وكساد، وهو ما يعرف بميكانيزم النظام الرأسمالي. 

لكن الواقع الآن مختلف تمامًا فبعد الأزمة المالية التي شهدها العالم في ٢٠٠٨، بدأ عدد من الاقتصاديين في مراجعة الفرضيات التقليدية حول طبيعة الدورات الاقتصادية. فقد كان الاعتقاد السائد لعقود طويلة أن الاقتصاد العالمي يتحرك في مسار طبيعي من النمو والازدهار، تتخلله أحيانًا فترات قصيرة من الركود، قبل أن يعود سريعًا إلى مسار التوسع. 

لكن هذا التصور بدأ يتغير مع الوقت. فقد طرح الاقتصادي الأمريكي Lawrence Summers مفهومًا أعاد إحياء نقاش قديم في الاقتصاد يسمى الركود المزمن (Secular Stagnation)، وهو مفهوم يشير إلى احتمال دخول الاقتصاد العالمي مرحلة طويلة من النمو الضعيف، بحيث تصبح فترات الانتعاش مجرد لحظات مؤقتة داخل مسار أطول من البطء الاقتصادي. 

وقد دعم هذا الطرح عدد من الاقتصاديين البارزين، من بينهم الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد Paul Krugman، الذي أشار في أكثر من تحليل إلى أن العالم بعد ٢٠٠٨ لم يعد يعمل بنفس القواعد الاقتصادية التي حكمته في العقود السابقة.

وما يؤكد ذلك هو توالي الأزمات من أزمة الديون الأوروبية، إلى جائحة كورونا، ثم اضطرابات الطاقة والغذاء، وصولًا إلى الحروب الإقليمية التي أثرت بشكل مباشر في التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

والدليل على ذلك أيضًا انخفاض متوسط نمو الاقتصاد العالمي من نحو ٣,٨٪ في العقد الذي سبق ٢٠٠٨ إلى ما يقارب ٢,٥٪ فقط في العقد التالي والقفزة التاريخية في الديون حيث ارتفع الدين العالمي إلى ما يزيد عن ٣١٥ تريليون دولار، أي ما يعادل أكثر من ٣٣٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو أعلى مستوى في التاريخ الحديث.

وسط هذا التعقيد الرقمي والاقتصادي، قد يبدو غريبًا أن نجد أحد أقدم نماذج إدارة الأزمات الاقتصادية في قصة وردت قبل آلاف السنين في القرآن الكريم، فعبقرية سيدنا يوسف لم تكن في التنبؤ بالأزمة فقط بل في إدارتها مسبقًا من خلال تخزين الفائض في سنوات الرخاء، والتي يمكن فهمها اليوم باعتبارها شكلًا مبكرًا من إدارة الاحتياطيات السيادية بالإضافة إلى حسن إدارة المخزون وسلاسل الإمداد بترك الحبوب في سنابلها لتقليل الفاقد منها.

والذي ينظر للحالة المصرية يجد أننا تأثرنا بالعديد من الأزمات بدءًا من جائحة كورونا مرورًا بحرب روسيا وأوكرانيا وحرب غزة وانتهاء بالحرب الإيرانية في مواجهة أمريكا وحليفتها في المنطقة، لكن إدارة الأزمة اختلفت هذه المرة؛ فبالرغم من تفهمي لما يعانيه الشعب المصري من ظروف اقتصادية صعبة وغير مسبوقة إلا أن الحكومة نجحت هذه المرة في السيطرة على السوق وإدارة خروج الأموال السخنة Hot money بالشكل الذي يخفف من تأثير هذا الخروج على الاقتصاد المصري وسعر الصرف وإلا كنا سنواجه سيناريو ما بعد الحرب الأوكرانية، ووصول الدولار إلى ٧٠ جنيهًا.

 لكن قرار البنك المركزي كان ذكيًا بترك سعر الصرف يتحرك بمرونة ( وصل سعر الدولار إلى ٥٣ جنيهًا) لامتصاص جزء من الأرباح التي حققها المستثمرون الأجانب في أدوات الدين الحكومية.

 لكن هذا الأمر لا يعفي الحكومه من اضطرارها، للمرة الثانية، للجوء إلى أدوات الدين قصيرة الأجل ( الأموال السخنة )، بالرغم من تأكيد الدكتور محمد معيط، وزير المالية السابق، أن الحكومة تعلمت الدرس ولن تلجأ للأموال السخنة مرة أخرى.

هذا الأمر يذكرني بمقولة سيدنا عمرو بن العاص “ما دخلتُ مدخلًا قط إلا أحسنتُ الخروجَ منه.” ورد سيدنا عمر بن الخطاب عليه: “لكنّ العاقل من لا يدخل المداخل التي يحتاج أن يخرج منها.” 

ورغم أن الحكومه أحسنت إدارة خروج الأموال السخنة هذه المرة بالمقارنة بالأزمات السابقة، إلا أننا نتمنى ألا نلجأ لهذه الأداة من أدوات الدين مرة أخرى .

ومن هنا تأتي عظمة وحكمة قصة سيدنا يوسف، عندما ننظر إليها من منظور اقتصادي كأحد أهم نماذج إدارة أزمة الركود الاقتصادي، من خلال إرساء قاعدة ومبدأ:

أن الأزمات لا تُدار عندما تقع… بل عندما نستعد لها قبل أن تبدأ.

وكل عام وحضراتكم بخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى