مقالات

صبري موسى يكتب: المعاشات بين مطرقة التضخم وسندان الأعباء المعيشية

في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية المتسارعة، وما تشهده المنطقة من توترات وصراعات تنعكس بصورة مباشرة على أسعار الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، أصبح ملف المعاشات في مصر واحدًا من أكثر الملفات إلحاحًا على طاولة النقاش العام. فالتضخم المتصاعد والارتفاع المرتقب في أسعار العديد من السلع الاستراتيجية يضعان شريحة كبيرة من أصحاب المعاشات أمام تحديات معيشية صعبة، خاصة أولئك الذين يحصلون على الحد الأدنى من المعاشات.

إن أصحاب المعاشات ليسوا مجرد فئة اجتماعية تحتاج إلى دعم، بل هم في الحقيقة جيل كامل أفنى سنوات عمره في العمل والإنتاج وخدمة الوطن في مختلف المواقع. ولذلك فإن توفير حياة كريمة لهم ليس من قبيل المِنَّة أو التفضل، بل هو حق أصيل وواجب وطني وأخلاقي.

ومن هنا تبرز أهمية فتح نقاش جاد ومسؤول مع الجهات المعنية، وعلى رأسها وزراء المالية، والعمل، والتخطيط والتنمية الاقتصادية، وكذلك الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية، لوضع تصور متكامل لمعالجة تدني الحد الأدنى للمعاشات بما يتناسب مع معدلات التضخم الحالية والمتوقعة.

إن الخطوة الأولى في هذا المسار يجب أن تبدأ بإجراء حصر دقيق لعدد المواطنين الذين يتقاضون الحد الأدنى من المعاشات، ودراسة أوضاعهم المعيشية بشكل واقعي، تمهيدًا لوضع برامج دعم موجهة لهم، تضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

كما يبرز هنا الدور المهم لصندوق دعم المسنين، الذي أُنشئ خصيصًا لمساندة كبار السن الأكثر احتياجًا. ويمكن تفعيل هذا الصندوق بشكل أكبر من خلال توجيه جزء من موارده لدعم أصحاب المعاشات محدودي الدخل، سواء عبر برامج دعم نقدي مباشر، أو من خلال توفير خدمات صحية ومعيشية مخفضة.

إن التعامل مع هذا الملف لا ينبغي أن يكون مجرد إجراءات مؤقتة، بل رؤية متكاملة تضع كبار السن وأصحاب المعاشات ضمن أولويات الحماية الاجتماعية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الصعبة.

فالمجتمعات تُقاس إنسانيتها بمدى احترامها لكبارها، ومدى حرصها على أن يعيشوا سنوات عمرهم المتقدمة في أمن وكرامة واستقرار.

ولذلك فإن تعزيز منظومة المعاشات، ورفع الحد الأدنى لها بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي، لم يعد رفاهية تشريعية أو اقتصادية، بل أصبح ضرورة اجتماعية ووطنية ملحّة.

إن توفير حياة كريمة لأهالينا من أصحاب المعاشات هو استثمار في قيم الوفاء والعدالة الاجتماعية، ورسالة واضحة بأن الدولة والمجتمع لا ينسون من بذلوا أعمارهم في خدمة هذا الوطن.

وهي رسالة يجب أن نحرص جميعًا على أن تصل واضحة وقوية: أن كرامة من بنوا هذا الوطن ستظل دائمًا في صدارة أولوياتنا.

* كاتب المقال: عضو نموذج محاكاة مجلس الشيوخ عن محافظة المنوفية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى