مقالات

اللواء أحمد زغلول مهران مساعد مدير المخابرات الحربية السابق يكتب: غزة تحت الاحتلال التكتيكي – هل تُمحى المقاومة أم تُعاد صياغتها؟

بين المعركة والنهاية •• غزة في قلب الحسابات الدولية

في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، لا تبدو غزة مجرد ساحة حرب، بل مركز اشتباك دولي وسياسي وإنساني في آنٍ واحد. الاجتياح البري المستمر، وما يصاحبه من دمار واسع النطاق، يُعيد طرح الأسئلة الجوهرية: هل يُمكن كسر المقاومة بالقوة؟ وهل العالم مستعد لدفع كلفة هذا الحل العسكري، الذي يُرتكب على أنقاض المدن وجثث الأبرياء؟

سنحاول تحليل أبعاد هذا الاجتياح، وقراءة ما بين سطور البيانات الدولية، وما ينتظر غزة والمنطقة من تحولات.

الطبيعة التكتيكية للاجتياح — ما الذي تريده إسرائيل فعلياً؟

1. الهدف المعلن..إنهاء حماس: تصوّر إعلامي يربط بين اجتياح غزة وتأمين الداخل الإسرائيلي واستعادة الرهائن. بالتالي، مبرر “الدفاع عن النفس” يُستخدم لتغطية عمليات عقابية جماعية.

2. الهدف غير المُعلن.. إعادة تشكيل غزة: تفكيك هوية القطاع كمركز للمقاومة. كذلك تغيير التركيبة المجتمعية عبر التهجير الداخلي وتدمير البنية التحتية.

3. فرض معادلة ردع جديدة: تصدير نموذج أمني جديد: أمن إسرائيل فوق كل الأعراف، حتى لو تعارض مع القانون الدولي الإنساني.

المشهد الميداني — واقع دامي يعيد تعريف الحروب:

يتمثل في استهداف المدنيين أولاً، ثم تدمير أحياء كاملة على رؤوس ساكنيها. وقصف ملاجئ ومدارس ومراكز تابعة للأمم المتحدة. وعليه، تحدث أزمة إنسانية مركبة، من ملامحها انهيار المنظومة الصحية والغذائية والمياه والكهرباء، وتعذّر وصول المساعدات. بالتالي تفشّي الأمراض، وتفاقم معاناة النازحين في مراكز غير مؤهلة.
توثيق أممي لانتهاكات جسيمة، تقارير منظمات دولية تصف ما يجري بأنه يرقى إلى جرائم حرب، وسط دعوات لتحقيق دولي مستقل.

ردود الفعل الإقليمية والدولية — مشهد موزّع بين العجز، الدعم، والغضب الشعبي:

الموقف العربي: مصر والأردن تلعبان دور الوسيط وتبقيان على الضغط السياسي والإنساني. قطر والجزائر والكويت عبّرت عن مواقف تضامنية قوية. بعض الدول تبنّت موقف الحياد السلبي، ما أحدث ثغرات في الجبهة السياسية العربية.
الموقف الإسلامي: تركيا صعّدت موقفها سياسياً ودبلوماسياً. أما إيران أظهرت دعماً خطابياً للمقاومة. كنا عقدت منظمة التعاون الإسلامي اجتماعات طارئة، دون نتائج تنفيذية فعّالة.
الموقف الغربي: دعم غير مشروط من الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية لإسرائيل. وانتقادات خجولة لأعداد الضحايا المدنيين من بعض العواصم. كذلك استمرار استخدام الفيتو في مجلس الأمن يمنع صدور أي قرار ملزم بوقف إطلاق النار.
الرأي العام العالمي: تظاهرات مليونية في الغرب دعمت حقوق الفلسطينيين. ثم تصاعد حملات المقاطعة. كذلك مطالبة واسعة بإعادة النظر في المعايير المزدوجة في التعامل مع القضايا الإنسانية.

هل يمكن إنهاء المقاومة الفلسطينية بالقوة؟

الفرضية العسكرية غير قابلة للتحقق. فالمقاومة ليست مجرد بنية مسلحة، بل حالة نفسية – اجتماعية – وطنية. كذلك تاريخ الحروب الحديثة يُثبت أن الحسم العسكري لا يُنهي الأفكار ولا يقتلع الهوية.

خطر ما بعد الحسم، أي فراغ سياسي في غزة، دون حل عادل، قد يُنتج مقاومة أشد وأكثر مرونة. كذلك العمليات الحالية قد تُحوّل المقاومة من تنظيمات مركزية إلى خلايا متفرقة وغير قابلة للرصد.

السيناريوهات المحتملة لما بعد غزة:

1. إدارة إسرائيلية مباشرة أو عبر وكلاء — مستبعدة على المدى الطويل بسبب التكلفة السياسية والعسكرية.

2. تدمير غزة وتركها في فراغ دائم — تحويلها إلى منطقة غير صالحة للعيش لتفريغها من المقاومة والضغط على السكان.

3. انفجار إقليمي — في حال توسّع المواجهة لتشمل الضفة الغربية أو الحدود الشمالية مع لبنان.

4. العودة للحصار الطويل — بعد حملة تدمير شاملة، قد يعود الوضع إلى مربع الحصار والتجويع المزمن، في غياب حل سياسي شامل.

مسؤولية المجتمع الدولي — من سيحاسَب على دماء الأطفال؟

اتفاقيات جنيف واضحة في حماية المدنيين.
قتل آلاف النساء والأطفال، وتدمير الملاجئ، لا يمكن تصنيفه إلا كجرائم جماعية.

كل من يصمت، أو يموّل، أو يبرّر، شريك مباشر أو غير مباشر في هذه الانتهاكات.

الشرعية الدولية تُهدَد، وغياب المحاسبة اليوم يفتح الباب أمام تكرار هذه النماذج في دول أخرى.

التوصيات السياسية والإنسانية العاجلة:

1. فرض وقف فوري لإطلاق النار بقرار دولي ملزم.

2. تأمين ممرات إنسانية دائمة بإشراف الأمم المتحدة.

3. تشكيل لجنة دولية محايدة للتحقيق في الجرائم ضد المدنيين.

4. استعادة الموقف العربي كقوة ضغط فاعلة في الساحة الدولية.

5. إعادة إطلاق مسار سياسي شامل يعالج جذور الصراع، وليس نتائجه فقط.

غزة مرآة الصراع والضمير العالمي:

غزة لم تعد مجرد عنوان في نشرات الأخبار، بل أصبحت اختباراً صارخاً لكل منظومة القيم والقوانين التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

فشل المجتمع الدولي في حماية أطفال غزة، وتراخي العواصم الكبرى أمام مشاهد الإبادة، يُسقط كل شعارات حقوق الإنسان التي تُستخدم عند الحاجة فقط.

هذه الحرب لن تُنهي المقاومة، لكنها ستُحوّلها إلى أشكال جديدة، أكثر غموضاً وأشد خطورة. لن تُسكت صوت الشعب الفلسطيني، بل ستُعيد تشكيله كقوة أكثر إصراراً على نيل حقوقه، مهما طال الزمن.

الصمت لم يعد حياداً، بل صار انحيازاً للقتل والظلم. وكل تأخير في وقف هذا العدوان هو مساهمة فعلية في سفك المزيد من الدماء.

لقد آن الأوان للعالم أن يفتح عينيه: فغزة ليست فقط جزءاً من فلسطين، بل نقطة فاصلة في تاريخ العدالة الدولية.

** كاتب المقال: اللواء أحمد زغلول مهران، مساعد مدير المخابرات الحربية السابق، وعضو الهيئة الاستشارية العليا لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، وهو نائب رئيس حزب المؤتمر رئيس الهيئه العليا للحزب. كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى