تقارير وتحقيقات

اللواء أحمد زغلول مهران مساعد مدير المخابرات الحربية السابق يكتب: رد رئيس الجمهورية لقانون الإجراءات الجنائية •• رؤية سياسية وقانونية عميقة في لحظة حاسمة

 

في خطوة تحمل دلالات سياسية ودستورية عميقة، أصدر السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا برد مشروع تعديل قانون الإجراءات الجنائية إلى مجلس النواب لإعادة النظر فيه، وهو ما أعاد إلى الواجهة مجددًا مسألة التوازن الدقيق بين ضرورات الأمن القومي ومتطلبات العدالة وضمانات حقوق الإنسان.

 

هذه الخطوة، التي جاءت في توقيت سياسي حساس، أثارت تساؤلات عديدة داخل الأوساط التشريعية والقانونية، كما لاقت ردود فعل واسعة في الشارع المصري، لما لها من تأثير مباشر على النظام القضائي وسير العدالة وضمانات المحاكمة العادلة.

 

أولًا- الخلفية الدستورية والسياسية لرد القانون:

 

يأتي رد السيد الرئيس لمشروع تعديل قانون الإجراءات الجنائية استنادًا إلى حق دستوري أصيل كفله الدستور المصري في المادة 123، التي تتيح لرئيس الجمهورية رد القوانين التي يرى أنها تحتاج إلى مراجعة أو لا تحقق المصلحة العامة بالشكل المطلوب.

 

وتؤكد هذه الخطوة أن مؤسسة الرئاسة لا تتعامل مع العملية التشريعية بوصفها إجراءً شكليًا، بل تمارس دورها الرقابي والسياسي الكامل بما يخدم بناء دولة القانون والمؤسسات، ويعكس حرص الرئيس على ألا تخرج القوانين بشكل قد يخل بالتوازن المطلوب بين السلطات أو يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد.

 

ثانيًا- أبرز ملاحظات الرئاسة على مشروع التعديل:

 

وفقًا لمصادر مطلعة، تركزت ملاحظات مؤسسة الرئاسة على عدد من النقاط الجوهرية في مشروع تعديل القانون، من بينها:

 

1. اختلال مبدأ التوازن بين حقوق الدفاع وحقوق المجتمع، بما قد يفتح المجال أمام تعطيل سير العدالة أو إطالة أمد التقاضي دون مبرر قانوني واضح.

 

2. نقص في الصياغات القانونية في بعض المواد، بما يجعلها عرضة للتأويل أو يسهل الطعن عليها بعدم الدستورية.

 

3. عدم توافق بعض المواد المعدلة مع المبادئ الأساسية للعدالة الناجزة، خاصة فيما يتعلق بالإجراءات الخاصة بالحبس الاحتياطي والطعون وتدوير القضايا.

 

4. الحاجة إلى ضمانات أقوى لعدم المساس بحقوق الضحايا والمجني عليهم في ظل التركيز الزائد على توسيع صلاحيات الدفاع والمتهمين.

 

ثالثًا- التداعيات السياسية والقانونية لرد القانون:

 

إن رد مشروع قانون على هذا المستوى لا يُعد أمرًا روتينيًا، بل يحمل عدة تداعيات يمكن قراءتها على النحو التالي:

 

• رسالة واضحة لمجلس النواب بضرورة تدقيق الدراسة التشريعية وإشراك جهات الاختصاص الفنية ومراعاة التوازنات الدقيقة بين نصوص القانون وروح الدستور.

 

• تعزيز ثقة الشارع في مؤسسة الرئاسة كجهة رقابية تمارس دورها بحكمة واتزان، وحرصها على عدم تمرير قوانين قد تكون محل جدل مجتمعي أو قانوني.

 

• إعادة فتح النقاش الوطني حول إصلاح العدالة الجنائية في مصر، وهي مسألة تتطلب مشاركة فاعلة من مؤسسات المجتمع المدني والهيئات القضائية والجامعات ومراكز الأبحاث.

 

• تحفيز مجلس النواب على مراجعة تشريعات أخرى سابقة لضمان تكامل المنظومة القانونية بما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان ورؤية مصر 2030.

 

رابعًا- انعكاسات القرار على الشارع المصري:

 

لاقى قرار رد القانون ارتياحًا في قطاعات واسعة من الشارع المصري، خاصة بين المحامين والقضاة والنشطاء الحقوقيين، الذين يرون في الخطوة دليلًا على يقظة الدولة تجاه أي تشريع قد يُفسر على أنه تقييد للحقوق والحريات.

 

كما أن هذه الخطوة تعكس بوضوح أن السلطة التنفيذية لا تعمل في عزلة عن الشارع، بل تدرك جيدًا أهمية إشراك الرأي العام في القضايا الكبرى، لا سيما تلك التي تمس العدالة والمواطن مباشرة.

 

من ناحية أخرى، فإن بعض الأصوات التي كانت تتخوّف من تمرير تعديلات قد تُستخدم في التضييق على الحريات باتت اليوم أكثر اطمئنانًا إلى أن هناك مراجعة سياسية رشيدة تحترم الدستور وتدافع عن دولة القانون.

 

خامسًا- المطلوب في المرحلة القادمة:

1. فتح حوار مجتمعي واسع داخل البرلمان مع المختصين القانونيين والحقوقيين حول مواد القانون المراد تعديلها.

 

2. الاستعانة بخبرات قضائية رفيعة المستوى لصياغة نصوص متوازنة تراعي الحقوق دون التفريط في الأمن والاستقرار.

 

3. مراعاة توافق القانون مع الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر في مجال حقوق الإنسان.

 

4. تعزيز آليات الشفافية والمشاركة في إعداد مشاريع القوانين، منعًا لأي تضارب لاحق بين السلطات.

 

5. إعادة تأكيد مرجعية الدستور في جميع التشريعات باعتباره الضمان الحقيقي لأي إصلاح سياسي أو قانوني في البلاد.

 

إن قرار السيد الرئيس برد قانون الإجراءات الجنائية ليس مجرد موقف قانوني أو تحفظ على صياغة، بل هو بيان سياسي بليغ يؤكد أن الدولة المصرية جادة في مسارها نحو الإصلاح السياسي واحترام حقوق الإنسان وترسيخ سيادة القانون.

 

كما أن هذه الخطوة تمثل إعادة ضبط بوصلة التشريع، وتؤكد أن مصر في عهدها الجديد لا تمرر قوانين تحت ضغط اللحظة أو المجاملة السياسية، بل تصيغ تشريعاتها وفق رؤية شاملة تأخذ في اعتبارها مصالح المواطن وأمن الدولة ومكانة مصر الدولية.

 

وهو ما يضع الجميع، حكومةً وبرلمانًا ونخبًا، أمام مسؤوليات مضاعفة لمواصلة هذا النهج وتقديم نموذج يُحتذى به في احترام الدستور وتعزيز دولة القانون وصون الحقوق والحريات.

 

كاتب المقال: اللواء أحمد زغلول مهران، مساعد مدير المخابرات الحربية الأسبق، وعضو الهيئة الاستشارية العليا لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، وهو نائب رئيس حزب المؤتمر رئيس الهيئه العليا للحزب. كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى