حلوة يا بلدي

اللواء أحمد زغلول مهران : جنيزة القاهرة.. مخطوطات تتكلم وتاريخ لا يُمح

مصر تحمي ذاكرة الجميع وإسرائيل تطمس هوية الآخرين……حين تُخبئ الجدران روح قرون كاملة

في قلب الفسطاط، وعلى أرض شهدت مولد القاهرة، يقف معبد بن عزرا اليهودي شامخاً، حارساً لذاكرة دفينة تُعرف بـ“جنيزة القاهرة”.

لم يكن هذا المعبد مجرد دار عبادة، بل تحول إلى خزانة تاريخية صامتة احتضنت آلاف الوثائق التي كادت تُنسى، قبل أن تُكتشف وتعيد تشكيل فهمنا للتاريخ الديني والاجتماعي في مصر.

جنيزة القاهرة •• مخطوطات تتكلم وتاريخ لا يُمح

جنيزة تعني في التقليد اليهودي “المخبأ” الذي تُحفظ فيه الوثائق الدينية التي لا تُستخدم لكنها لا تُهمل احتراماً لقدسيتها.

غير أن الجنيزة القاهرية تجاوزت الغرض الطقسي، وتحولت إلى أرشيف حي للحياة اليومية، بما فيه من تعاملات تجارية، رسائل شخصية، عقود زواج، فتاوى، شكاوى، وحتى وصفات طبية.

هذه الوثائق، التي كُتبت بالعربية أحياناً وبالعبرية أحياناً أخرى، جسدت روح المجتمع المصري متعدد الثقافات والديانات، في فترة امتدت من القرن العاشر حتى الثامن عشر الميلادي.

اكتشاف يهز الأوساط العلمية ومصر تلتزم الصمت النبيل:

في عام 1896، أزاح الباحث اليهودي سليمان شاختير الستار عن هذا الأرشيف الضخم.

قام لاحقاً بنقل غالبية الوثائق إلى جامعة كامبريدج، فيما تفرقت أجزاء منها إلى مكتبات في أمريكا وأوروبا.

ورغم أن هذا الحدث كان مفصلياً في تاريخ الدراسات الشرق أوسطية، لم تُطالب مصر وقتها ولا لاحقاً باستعادة هذه الوثائق، ربما لقناعتها بأن حماية التراث لا تتطلب امتلاك الورق بل الحفاظ على المعنى.

ومع ذلك، لا يزال من حق الدولة المصرية فتح نقاش قانوني وأكاديمي حول آلية الوصول العادل والمفتوح إلى تراثها الوطني الموجود في الخارج.

مصر ترمم ما تراه تاريخاً لا ديناً:

في عام 2022، أطلقت الدولة المصرية مشروعاً لترميم معبد بن عزرا تحت إشراف وزارة السياحة والآثار.

وفي أغسطس 2023، أُعيد افتتاح المعبد بعد تجديده بالكامل، كجزء من خطة وطنية لحماية التراث الديني بكافة أشكاله.

ما قامت به مصر لم يكن مجرد ترميم فني، بل رسالة حضارية تؤكد أن التراث اليهودي جزء لا يتجزأ من الهوية المصرية، تماماً كالمساجد والكنائس والأديرة.

ولم تُصاحب عملية الترميم أي ضغوط سياسية، ولم تُستخدم المناسبة لأغراض تطبيع أو استعراض، بل جرى التعامل مع المعبد كأثر وطني يُحترم لتاريخه وموقعه وقيمته.

المفارقة الأخلاقية: مصر تصون وإسرائيل تطمس:

في مقابل هذه المقاربة الحضارية، تمارس إسرائيل سياسة ممنهجة لطمس وإلغاء التراث العربي الإسلامي والمسيحي في الأراضي المحتلة. ومظاهر هذا السلوك لا تخطئها عين:

• تهويد البلدة القديمة في القدس وتغيير أسماء الأحياء والشوارع من عربية إلى عبرية.

• فرض القيود على ترميم المقدسات الإسلامية، خاصة المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

• محاصرة الأوقاف المسيحية والاستيلاء على أديرة ومقابر تاريخية.

• طمس الشواهد العربية من المقابر القديمة وتحويلها إلى حدائق توراتية.

وهكذا، بينما تفتح مصر أبواب معابد خالية من روادها وتحميها بإخلاص، تغلق إسرائيل أبواب المساجد والكنائس التي لا يزال فيها مصلون ومواطنون يعيشون على أرضهم.

ترميم بلا جمهور لكنه موقف بلا مقابل:

خلال إعادة افتتاح معبد بن عزرا، غاب التمثيل اليهودي الرسمي أو الشعبي، ربما لانعدام الجالية اليهودية المقيمة في مصر أو لأسباب سياسية مفهومة.

لكن الدولة المصرية لم تنتظر شكراً، ولم تساوم على ما تعتبره واجباً حضارياً تجاه تاريخها.

في الوقت ذاته، لم تُبادر أي جهة إسرائيلية أو يهودية دولية بتقديم الدعم أو حتى الامتنان العلني لهذا الجهد المصري، مما يثير تساؤلات حول ازدواجية المعايير في التعامل مع تراث الشعوب الأخرى.

من يمتلك التاريخ من يحميه لا من يطالب به:

لم تُسجل مصر أي تحركات لملاحقة الوثائق المنقولة من الجنيزة إلى الخارج، رغم أن معظمها خرج خلال الاحتلال البريطاني لمصر.

لكنها في المقابل لم تُفرط في ما بقي لديها، بل وسعت من نطاق الحماية، واستحدثت آليات توثيق رقمي، ورفضت بيع أو تهريب ما تبقى من هذه المخطوطات.

وفي عام 2022، ظهرت جنيزة ثانية داخل إحدى المقابر اليهودية بالقاهرة، وتمت مصادرتها لأغراض الحماية والترميم.

وبينما رحب بعض الباحثين بذلك، خرجت أصوات من جهات صهيونية تدعي أن هذه ممتلكات يهودية، وهو ادعاء ترفضه مصر لأنها تعتبر أن التراث الموجود على أرضها هو ملك للبلاد لا لطائفة أو دولة أجنبية.

التاريخ لا يُمحى لكنه يُحرف إن سكتنا:

“جنيزة القاهرة” ليست مجرد أوراق قديمة، بل صوت مكتوب لمجتمع متنوع كان يحيا بتسامح في ظل دولة ذات أغلبية مسلمة.

وحين تحتفظ مصر بهذه الوثائق وتعرضها للعالم وتعيد ترميم أماكنها، فهي لا تجامل أحداً، بل تمارس دورها الطبيعي كوصية على تراثها أيّاً كانت ديانته.

في المقابل، فإن ما يحدث في فلسطين المحتلة من تهويد ممنهج ومحاولات لإلغاء الطابع الإسلامي والمسيحي في القدس والضفة يُعد جريمة ثقافية بامتياز تستوجب وقفة دولية.

من يحترم التاريخ يُصن به:

مصر اليوم لا تحتاج إلى إثبات أنها حامية التراث، فالأفعال سبقت الأقوال.

وفي زمن تتلاشى فيه الحدود بين الدين والسياسة، والهوية والاستيلاء، تبقى أخلاق الدول في تعاملها مع التراث هي ما يميز الحضارات عن الاحتلالات.

لقد فتحت مصر معبداً لا يزوره أحد، لكنها أغلقت الباب في وجه النسيان والتجاهل، بينما فتحت إسرائيل بوابات الحفر والهدم وأغلقت نوافذ التاريخ أمام كل ما هو غير يهودي.

هنا يتحدد الفرق بين من يحفظ التراث كواجب ومن يستغله كسلاح.

كاتب المقال اللواء أحمد زغلول مهران

مساعد مدير المخابرات الحربية السابق …  خبير استراتيجي وعسكرى … مستشار مركز رع للدراسات الاستراتيحية … نائب رئيس حزب المؤتمر و رئيس الهيئه العليا للحزب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى