مقالات

صبرى موسى يكتب: قانون التصالح.. حين يدفع المواطن ثمن فوضى لم يصنعها

الدولة المصرية لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بالثقة المتبادلة بين الدولة ومواطنيها. ومن هذا المنطلق، فإن مناقشة قانون التصالح في مخالفات البناء ليست رفاهية سياسية، بل ضرورة وطنية تفرضها معاناة واقعية يعيشها ملايين المواطنين.

لقد جاء القانون لمعالجة فوضى عمرانية ممتدة، فوضى لم تنشأ في عام أو اثنين، بل تراكمت عبر عقود من غياب التخطيط، وضعف الرقابة، وتعطّل دور المجالس المحلية، وتناقض التشريعات، وأحيانًا بتواطؤ الصمت الإداري.

ومع ذلك، وجد المواطن نفسه فجأة المتهم الوحيد، والمطالب وحده بدفع الثمن.

مسؤولية الدولة قبل محاسبة المواطن

الدولة القوية لا تنكر أخطاء الماضي، بل تعالجها بعدالة.

ولا يصح وطنيًا ولا سياسيًا أن نطالب المواطن البسيط بتصحيح أوضاع نشأت:

دون بدائل إسكان حقيقية.

ودون رقابة محلية فاعلة.

وفي ظل احتياج إنساني مشروع للسكن.

المواطن لم يخالف ليُنازع الدولة سلطتها، بل خالف ليعيش.

بين تقنين الأوضاع وتحصيل الأموال

المبدأ الذي قام عليه القانون سليم:

تنظيم العمران، حماية الرقعة الزراعية، فرض سيادة القانون.

لكن التطبيق العملي كشف خللًا لا يمكن تجاهله:

تسعير يضغط على الطبقات المتوسطة ومحدودي الدخل.

إجراءات معقدة تُفرغ التصالح من هدفه.

تفاوت في التطبيق يضرب مبدأ المساواة أمام القانون.

وهنا يبرز السؤال السياسي المشروع:

هل نريد إنهاء المخالفات أم تعظيم الحصيلة؟

العدالة الاجتماعية ليست بندًا ثانويًا

أي تشريع لا يضع العدالة الاجتماعية في قلبه، يتحول من أداة تنظيم إلى عبء مجتمعي.

فالدولة التي تبني جمهوريتها الجديدة لا يمكن أن تسمح بأن يشعر المواطن أن القانون وُضع ضده لا لحمايته.

التشديد مطلوب، نعم.

لكن الإنصاف واجب.

والتمييز بين المخالفة الجسيمة والمخالفة الاضطرارية ضرورة سياسية قبل أن تكون قانونية.

ما نطالب به وطنيًا

نطالب، باسم المصلحة العامة، بـ:

إعادة النظر في منظومة التسعير بما يراعي الواقع الاقتصادي.

توحيد آليات التنفيذ على مستوى الجمهورية.

تفعيل مسارات تظلم حقيقية وفعّالة.

ربط التصالح بتخطيط عمراني يمنع تكرار الأزمة بدل تدويرها.

كلمة أخيرة

المواطن المصري لم يكن يومًا عبئًا على دولته، بل كان دائمًا سندها وقت الشدة.

وأخطر ما قد نواجهه ليس مخالفة بناء، بل اهتزاز الثقة.

قانون التصالح يمكن أن يكون بوابة استقرار إذا أُعيد ضبطه،

ويمكن أن يتحول إلى نقطة توتر إذا استمر تحميل المواطن ما لا يحتمل.

تحيا مصر… دولة قوية بعدالتها، لا برسومها.

 

* كاتب المقال: عضو نموذج محاكاة مجلس الشيوخ

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى