مصطفى أبو عميرة يكتب: كورنيش قنا بين الحق العام والاستثمار.. رسالة مفتوحة إلى محافظ الإقليم

في محافظات الصعيد، لا تُقاس قيمة الأماكن العامة بجمالها فقط، بل بدورها الاجتماعي العميق في حماية النسيج المجتمعي وخلق مساحات آمنة للتلاقي والاندماج. وفي هذا السياق، يظل كورنيش قنا أحد أهم المتنفسات العائلية التي قدمت خدمات رمزية لآلاف الأسر البسيطة، ومثّلت لسنوات مساحة للتلاقي الإنساني بعيدًا عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
قنا ليست محافظة عادية؛ هي مجتمع ذو طبيعة قبلية مغلقة نسبيًا، وتاريخ طويل مع قضايا الثأر والتوترات الاجتماعية. ومن ثم، فإن وجود المتنزهات العامة، والأنشطة الثقافية والرياضية، ليس رفاهية، بل هو ضرورة مجتمعية تسهم في تخفيف الاحتقان، ودمج الثقافات، وخلق بدائل حضارية للسلوك العنيف.
حينما كان للثقافة دور في حماية المجتمع
يتذكر أبناء قنا جيدًا عندما جاء اللواء عادل لبيب محافظًا لقنا في 31 أكتوبر 1999، حين اتخذ قرارات جريئة لصالح النشاط الثقافي والاجتماعي، من بينها دعم دور السينما بأسعار رمزية للسيدات. كان ذلك إدراكًا عميقًا بأن المرأة هي عماد المجتمع، وأن تمكينها ثقافيًا واجتماعيًا ينعكس على استقرار الأسرة والمجتمع ككل. وقد أحدثت تلك السياسات بالفعل طفرة ثقافية خففت من حدة الانغلاق والتشدد في كثير من البيئات القبلية.
إلى جانب ذلك، لعبت الأنشطة الرياضية والثقافية آنذاك دورًا مهمًا في توجيه طاقات الشباب نحو مسارات إيجابية، بدلًا من الانزلاق إلى دوائر العنف والثأر.
القلق من تحويل الفضاء العام إلى مشروع استثماري
من هذا المنطلق، يثير الاتجاه نحو تحويل الكورنيش أو أجزاء من الأماكن العامة إلى مشروعات استثمارية مغلقة قلقًا واسعًا بين أبناء قنا. فحين تُرفع كلفة الترفيه، وتُغلق المساحات المفتوحة أمام محدودي الدخل، يُسحب من المجتمع أحد أهم صمامات الأمان الاجتماعي.
إن حرمان الأسر البسيطة من حقها في متنزه عام لائق، لا يؤثر فقط على جودة الحياة، بل يساهم – ولو بشكل غير مباشر – في زيادة معدلات الاحتقان والعنف داخل مجتمع يعاني أصلًا من تراكمات قبلية واجتماعية حساسة.
رسالة إلى محافظ قنا
السيد محافظ قنا،
يعلم الجميع أن الاستثمار مهم، وأن التنمية الاقتصادية مطلوبة، لكن التنمية لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بقدرتها على حماية الإنسان وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. إن قنا تحتاج إلى نموذج تنموي يوازن بين الاستثمار والعدالة الاجتماعية، بين تعظيم الموارد وحماية الحق العام.
لقد كان الأمل كبيرًا في أن تكون سياسات المحافظة داعمة للنشاط الثقافي والاجتماعي، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن المجتمعي. وما زال هذا الأمل قائمًا، لأن الفرصة لم تضع بعد.
دعوة إلى حوار مجتمعي قبل فوات الأوان
إن المخرج الحقيقي من هذا الجدل هو فتح باب الحوار المجتمعي، عبر جلسة تضم مثقفي قنا، ونخبها السياسية، وممثلي المجتمع المدني، من أجل الوقوف على أبعاد القضية، والوصول إلى حلول تحقق التوازن بين الاستثمار وحقوق المواطنين.
قنا لا تحتاج إلى قرارات فوقية بقدر ما تحتاج إلى توافق مجتمعي يعكس خصوصيتها الثقافية والاجتماعية. فالتاريخ لا ينسى من يحمي حق الناس في الحياة الكريمة، كما لا يغفر لمن يتجاهل أصواتهم.
*كاتب المقال: وكيل لجنة السياحة والآثار والثقافة والإعلام بنموذج محاكاة مجلس الشيوخ



