مقالات

عماد عبد الرحمن العجان يكتب: إلى فؤاد الهاشم – مصر لا تُطاولها الأقلام الصغيرة

مصرُ العظيمة.. فوقَ الضجيجِ ودونَها التاريخ

يخرج علينا بين الحين والآخر من يحاول تسلق جدران التاريخ العالية عبر النيل من “قلب الأمة”، ظنًا منه أن مداد قلمه قد يطمس شمس الحقيقة، أو أن صوته قد يعلو فوق هدير النيل. وما فعله الكاتب الكويتي فؤاد الهاشم في مقاله الأخير، ليس إلا سقطة مهنية وأخلاقية تتنافى مع وشائج القربى، وتنم عن جهل فاضح بموازين القوى التاريخية والحضارية.

مصر.. فجر الضمير وحضارة لا تغيب

حين نتحدث عن مصر، فنحن لا نتحدث عن رقعة جغرافية، بل عن “فجر الضمير” الإنساني. هي الأرض التي علّمت البشرية كيف يُكتب الحرف، وكيف يُبنى الهرم، وكيف يُصاغ القانون. وبينما كان العالم يتخبط في دياجير الجهل، كانت شمس الحضارة المصرية تشرق بالطب والفلك والهندسة، وهي حضارة لم تكن يوماً حبيسة المتاحف، بل هي روح سارية في وجدان كل عربي ومسلم.

خزانة الأمة ودرعها الحصين

إن ذاكرة الأمة العربية والإسلامية لا يمكن أن تُصاب بالزهايمر كما أصيبت به أقلام البعض. فمن الذي وقف سداً منيعاً أمام زحف التتار والمغول الذين كادوا أن يمحوا الهوية الإسلامية؟ ومن الذي كسر شوكة الصليبيين؟ إنها مصر بجندها “خير أجناد الأرض”. وهي مصر التي احتضنت “الأزهر الشريف”، منارة العلم والوسطية، التي حافظت على لغة القرآن الكريم وعقيدة الأمة لأكثر من ألف عام.

يدٌ تبني في كل بيت عربي

أما عن العطاء المصري للأشقاء، فهو عطاءُ من لا يخشى الفقر ولا ينتظر الشكر. لم تترك مصر قطراً عربياً إلا وكان لمعلميها وأطبائها ومهندسيها فضل البناء والتأسيس. لقد سالت دماء أبناء مصر على تراب فلسطين، ولبنان، واليمن، ولم تتأخر يوماً عن نصرة الكويت نفسها في أحلك ظروفها، انطلاقاً من إيمانها بأنها “الأم” التي لا تتخلى عن أبنائها مهما جار عليها الزمان.

ترفعُ الكبار عن الصغائر

إن الدولة المصرية، بمؤسساتها وشعبها العظيم، أكبر من أن تلتفت إلى مهاترات أو ترد على إساءات عابرة. فالعظماء لا يصارعون من هم دونهم قدراً، والتاريخ يُعلمنا أن القوافل السائرة نحو البناء لا تعير اهتماماً للضجيج على جنبات الطريق. مصر اليوم، وهي تعيد بناء ذاتها وتستشرف مستقبلها برؤية واثقة، تدرك أن مكانتها محفوظة في القلوب وفي سجلات المجد، وأن الصغار يرحلون وتظل الجبال شامخة.

يا سيد هاشم، إن الكلمة أمانة، ومصر أكبر من أن ينال منها قلمٌ ضلّ طريقه، أو كاتبٌ غلبه الهوى. ستبقى مصر سنداً لكل العرب، وستظل قلباً كبيراً يتسع حتى لمن أساؤوا إليها، فدائماً ما يصفح الكبار عن هفوات الصغار.

● كاتب المقال: مدير عام مدارس النيل المصرية الدولية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى