رفعت عبدالله أحمد بغدادي الشريف.. مسيرة عطاء تُتوَّج بالخلود

كتب : مبارك حنفي – المذيع بالإذاعة المصرية
ليست كل الحكايات تُكتب بالحبر… فبعضها يُكتب في القلوب، ويُحفر في الذاكرة، ويُروى على هيئة مواقف لا تُنسى، وهكذا هي حكاية الأستاذ رفعت عبدالله أحمد بغدادي الشريف؛ رجلٌ لم يكن مجرد مدير مدرسة، بل كان مدرسةً في ذاته، وقيمةً تربويةً متكاملة، وعنوانًا صادقًا للعطاء الذي لا يعرف حدودًا.
وُلد في السادس من يناير عام 1966، وتخرّج في كلية التربية الرياضية – جامعة أسيوط عام 1991، ليبدأ منذ اللحظة الأولى رحلة عملٍ لم تعرف إلا الجدية والاجتهاد، مؤمنًا بأن التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة، ومسؤولية قبل أن يكون منصبًا.
بدأ مسيرته بمدرسة البهاء زهير الإعدادية في ديسمبر 1991، وقضى بها نحو 14 عامًا حافلة بالعطاء، كان خلالها نموذجًا للمعلم النشط في مجال التربية الرياضية، ونجح في قيادة الفرق المدرسية لتحقيق إنجازات لافتة، تمثلت في الصعود إلى نهائيات الإدارة، ثم تمثيلها على مستوى المحافظة لسنوات متتالية، وصولًا إلى المنافسة على مستوى محافظتي المنيا وأسيوط.
ثم انتقل إلى العمل وكيلًا بمكتب التربية الرياضية بإدارة قوص التعليمية، حيث أسهم في تطوير الأداء الرياضي على مستوى الإدارة، قبل أن ينتقل إلى مدرسة التجارة بنين، مكتسبًا خبرات إدارية وتربوية أضافت إلى شخصيته مزيدًا من النضج والقيادة.
وفي عام 2012 كانت المحطة الفارقة، حين كان من المؤسسين لمدرسة ابن دقيق العيد الإعدادية المشتركة، فشارك في وضع اللبنات الأولى للمدرسة، وساهم مع زملائه وأولياء الأمور في تحويلها من مدرسة بنات إلى مدرسة مشتركة (بنين وبنات)، استجابة لاحتياجات المجتمع، في نموذج حقيقي للتعاون والعمل الواعي.
ومع توليه منصب مدير المدرسة عام 2014، بدأت مرحلة جديدة من الاستقرار والتطور، حيث قاد المؤسسة التعليمية بحكمة واقتدار لما يقرب من 13 عامًا، استطاعت خلالها أن تحجز لنفسها مكانة متقدمة بين مدارس إدارة قوص التعليمية، وأن تتحول إلى كيان تربوي متكامل يجمع بين التعليم والأنشطة وبناء الإنسان.
أخلاق قائد… صنعت الجميع
لم يكن الأستاذ رفعت قائدًا إداريًا فحسب، بل كان إنسانًا قبل كل شيء؛ يتعامل مع الجميع بروح الأبوة والاحترام.
فمع الطلاب كان قدوة ومربيًا، يغرس القيم قبل العلم، ويحتضن المواهب، ويصنع الثقة.
ومع المعلمين كان أخًا داعمًا وقائدًا محفزًا، يؤمن بروح الفريق ويُقدّر الجهد.
ومع الأخصائيين كان شريكًا حقيقيًا في بناء الشخصية الطلابية ودعم الأنشطة.
ومع العمال كان أبًا وأخًا، يقدر دورهم ويؤمن أن كل فرد داخل المدرسة هو أساس النجاح.
إنجازات تُجسّد التميز
ففي ساحات التميز، حققت المدرسة المراكز الأولى في الاتحادات الطلابية والجماعات المدرسية على مستوى إدارة قوص التعليمية، وفي ميادين القيم أحرز طلابها المركز الأول في مسابقات القرآن الكريم، تأكيدًا على أن بناء الإنسان يبدأ من الأخلاق والوعي والإيمان.
كما حققت المدرسة المركز الرابع على مستوى الجمهورية في مسابقة “أخلاق صحفي” بإشراف الأستاذة مي محمود، وتوّجت جهودها بحصد المركز الأول على مستوى المديرية في مبادرة “مدارس بلا تدخين” تحت إشراف الأخصائي الاجتماعي الأستاذ عبدالرؤف ثابت، بالإضافة إلى حصول الأستاذ مصطفى عبدالنبى على لقب الأخصائي الاجتماعي المثالي على مستوى المديرية، في صورة تعكس قوة المنظومة وتكاملها.
حياة مدرسية نابضة بالانتماء
لم يكن التميز مقتصرًا على النتائج، بل كان حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية داخل المدرسة؛ حفلاتٌ للمناسبات الدينية والقومية، من احتفالات شهر رمضان المبارك إلى مسابقة “أنوار البيان” لحفظ القرآن الكريم بحضور القيادات التعليمية، مرورًا باحتفالات تحرير سيناء، وجميع مناسبات الوطن، وكأن المدرسة وطنٌ مصغر ينبض بالانتماء.
كما تم تنظيم معارض طلابية سنوية شاملة بمشاركة جميع الأسر التربوية (الاجتماعية، النفسية، الفنية، العلمية، الموسيقية، الرياضية، والاقتصاد المنزلي)، إضافة إلى المشاركة في جميع المسابقات على مستوى الإدارة، من أوائل الطلاب إلى الأنشطة الاجتماعية والصحفية والفنية والعلمية، مع حضور مشرف في معارض الأنشطة التربوية بقوص وقنا.
يوم الوفاء… حفلة تليق بقامة
ولأن العطاء لا يُقابل إلا بالوفاء، فقد أُقيمت حفلة تكريم كبرى للأستاذ رفعت عبدالله الشريف بمناسبة بلوغه سن التقاعد، في مشهد مهيب جمع القيادات التعليمية والمعلمين والأخصائيين والطلاب والعمال، ليقول الجميع كلمة واحدة: “شكرًا”.
كان يومًا امتزجت فيه الدموع بالابتسامات، وتوّج سنوات طويلة من العمل الصادق، ليؤكد أن من يزرع الإخلاص يحصد التقدير.
وفي الرابع من يناير 2026، قد يُغلق دفتر الوظيفة، لكن كتاب العطاء لا يُغلق، فهناك رجال إذا غابوا عن مواقعهم حضروا في القلوب، وإذا تركوا المكان تركوا فيه أثرهم وروحهم.
ختامًا
حين يُذكر الوفاء… يُذكر اسمه
وحين يُحكى عن العطاء… تُروى سيرته
وحين نبحث عن القدوة… نجده حاضرًا
فالأستاذ رفعت ليس مجرد مدير تقاعد… بل حكاية نجاح ستظل تُلهم كل من يأتي بعده.






