اللواء د. أحمد زغلول مهران يكتب: حين ناديتكم… ولم يسمعني أحد
منذ 3 أسابيع
صورة تعبيرية
لم تكن لحظة موتي كما كنت أتصوره.
لم يكن هناك ذلك الوجع الصاخب الذي يملأ الحكايات، ولا تلك الصرخة الأخيرة التي تشقّ صمت الدنيا.
بل كان كل شيء هادئًا على نحوٍ مُربك، كأن الحياة انسحبت من بين أصابعي برفقٍ شديد، وتركتني واقفًا على حافةٍ بين عالمين: لا أنا فيكم ولا أنا بعيد عنكم.
فتحتُ عينيّ، لكنني لم أرَ كما كنت أرى. رأيتُ نفسي مستلقى على ظهري بلا حراك، تحيط بي وجوه أعرفها جيدًا، وجوهٌ أحببتها حتى آخر نبضة في قلبي.
كانت الدموع تتساقط كالمطر، وكان الصمت أبلغ من كل الكلمات.
اقتربتُ من نفسي، ومن جسدي الذي كان بالأمس يضحك ويتكلم ويغضب ويحب.
لمستُه، أو ظننتُ أني لمستُه، لكن لم يكن هناك إحساس.
ثم التفتُّ إليكم يا من كنتم بجواري.
التفت إلى زوجتي •• رفيقة العُمر وسند الأيام وشريكة كل حياتي التي عشتها، كانت تبكي بحرقةٍ لم أعرفها من قبل، كأن قلبها انكسر فجأة ولم يجد من يجبره. اقتربتُ منها ووقفتُ أمامها وقلتُ لها: أنا هنا، لا تبكي، لم أذهب بعيدًا، فقط انظري إليّ، لكنها لم تنظر. كانت عيناها معلّقتين بذلك الجسد، ولا تعني بكلامي. مدّت يدها تمسح على وجهي البارد، ودموعها تسقط عليه، وأنا أصرخ بصمت: أنا هنا، أنا ما زلتُ هنا، لكن صوتي لم يكن يصل، كأنه يُبتلع في فراغٍ لا نهاية له.
ثم رأيتُ بناتي، يا وجعي، ثلاث زهراتٍ من عمري كنّ يلتففن حول بعضهن، كأن الخوف صار حضنًا واحدًا. ناديتُهن واحدةً واحدة: لا تخفن، أنا معكن، لن أترككن. تقدمتُ نحوهن، حاولتُ أن أحتضنهن وأمسح دموعهن، أن أقول لهن إن الحياة لن تتوقف، لكن يدي مرّت من خلالهن كأنني هواء، وكأنني لم أكن.
دخل أخي، وجهه كان ممتلئًا بالحزن الذي لم أره فيه من قبل، اقترب من جسدي وانحنى واحتضنه وبكى، ذلك البكاء الذي لا يُسمع صوته لكنه يهزّ الروح. ناديتُه: تماسك، أنت الآن سندهم، لا تدعهم ينهارون، لكنه لم يسمع، لم يلتفت، وكأن بيني وبينه مسافات طويلة لا تُقاس.
صورة تعبيرية
وبدأت الوجوه تتوالى: أقارب وأصدقاء وجيران، كلهم جاءوا، كلهم وقفوا، كلهم نظروا إليّ، لكن لم يرَ أحدٌ مني إلا ذلك الجسد الصامت. رأيتُ أصدقائي، رفقاء العُمر، وضحكات السنين وأسرار الأيام. أحدهم كان يضع يده على جبينه كأنه لا يصدق، وآخر يبكي بصمت، وثالث يردد كلمات العزاء، وكأنه يحاول أن يقنع نفسه قبل أن يقنع غيره. ناديتهم جميعًا: أنا هنا، ألم نكن بالأمس معًا؟ ألم نضحك؟ ألم نخطط للغد؟ كيف سيصبح الغد بدونى؟ لكن لا أحد سمع، ولا أحد التفت، ولا أحد أدرك أنني أقف بينهم أبحث عن صوتٍ يصل فلا أجد.
وفي لحظةٍ ما، تسللت إلى قلبي ذكرى •• ذكرى أبي، ذلك الرجل الذي رحل قبلي وترك في روحي فراغًا لم يُملأ. تذكرتُه كما كان، بهيبته، بحكمته، وبصوته الذي كان يطمئنني مهما اشتدت الحياة. قلتُ في داخلي: أبي، هل شعرتَ بما أشعر به الآن؟ هل وقفتَ كما أقف، تنادي فلا يُسمع صوتك؟
ثم جاءت صورة أمي: دفؤها وحنانها ويديها اللتين كانتا تمسحان على رأسي كأنهما تزيلان عني كل همّ. اشتقتُ لها فجأةً، اشتياقًا مؤلمًا، وقلتُ: أمي، هل كنتِ هنا حين رحلتِ؟ هل حاولتِ أن تنادينا ولم نسمعكِ؟
شعرتُ أنني لستُ وحدي في هذا الغياب، أن هناك من مرّ قبلي بهذه اللحظة ووقف هذا الموقف وعاش هذا الصمت.
وبدأت إجراءات الغُسل، اقتربوا مني بحذرٍ واحترام، كأنهم يتعاملون مع شيءٍ مقدس أو ذكرى يجب أن تُصان. كنت أراهم يرفعونني، يضعونني، يسكبون الماء على جسدي، وكل قطرةٍ كانت توقظ داخلي شعورًا غريبًا، شعورًا بأنني موجود لكن بلا قدرة، بلا صوت، بلا أثر. صرختُ: أنا أشعر، أنا هنا، لا تتعاملوا معي كغائب، أنا موجود لكن لا أحد سمع. كانوا يؤدون واجبهم وأنا أؤدي حزني، ثم جاء الكفن، ذلك القماش الأبيض الذي يلفّ الجسد ويختصر الحياة كلها في صمتٍ نقي.
حين بدأوا في لفّي بالكفن، شعرتُ بشيءٍ يشبه النهاية. ناديتُكم جميعًا: سامحوني إن قصّرت •• إن أخطأت •• إن لم أقل لكم ما يكفي من الحب.
كنت أريد أن أقول الكثير، أن أستدرك كل لحظةٍ لم أعشها كما يجب، أن أعتذر عن كل كلمةٍ قاسية، أن أعيد كل ضحكةٍ لم أشارككم فيها، لكن الوقت لم يكن وقت كلام، وكان الصمت أقوى من كل شيء.
ثم حملوني، خرجتُ من بيتي، ذلك البيت الذي كان يحتضن حياتي كلها. نظرتُ إليه، رأيته كما لم أره من قبل، كأنه يحتفظ بصوتي في الجدران، وبضحكاتكم في الزوايا، وبأحلامنا في كل ركن. قلتُ في داخلي: هل سأعود أم أن هذه هي النظرة الأخيرة؟
قبل أن يُحمل جسدي إلى مثواي الأخير، رأيتُ أخي يتقدّم الصفوف، واقفًا بثباتٍ يخفي خلفه انكسارًا عظيمًا. يؤمّ الناس في صلاة الجنازة عليّ كما كنت أنا فعلت يومًا في جنازة أبي.
وكما وقفتُ من قبل إمامًا في صلاة الجنازة على مهند، زوج ابنتي، تأملته طويلاً وشعرتُ بشيءٍ من السكينة يتسلل إلى روحي، كأن الدائرة قد اكتملت وكأن الرسالة قد انتقلت.
وفي تلك اللحظة، لم يكن الحزن وحده حاضراً، بل كان هناك شعورٌ خفيّ باللقاء، لقاءٌ أقترب منه خطوةً بعد خطوة. قلتُ في داخلي: لعلّي بعد هذا الفراق سألقاهم، سألتقي بمهند، وسألتقي أبي وأمي، وجوهاً اشتاقت لها روحي طويلاً.
فابتسمتُ رغم كل شيء، ابتسامةً صغيرة تحمل بين طيّاتها أملاً بلقاءٍ لا فراق.
وفي الطريق إلى القبر، لم أعد أنادي كثيرًا، فقد بدأتُ أفهم أن الصوت هنا لا يصل، وأن الحب مهما كان عظيمًا قد يعجز عن عبور هذا الحاجز.
وصلنا القبر، كان ينتظر صامتًا، عميقًا، كأنه بابٌ إلى سرٍ لا يُفصح عنه. حين أنزلوني، شعرتُ بشيءٍ لم أشعر به من قبل: رهبة، ووحدة، وهدوء مخيف. وُضعتُ في قبري، ثم بدأوا يهيلون التراب، في تلك اللحظة عاد الصوت إليّ، عدتُ أنادي بكل ما بقي فيّ من حنين: لا تتركوني، انتظروا، أنا هنا، خذوني معكم، لا أستطيع أن أبقى وحدي.
ناديتُ زوجتي: لا تبكي ولا تتركيني، اعتنِ ببناتي.
ناديتُ بناتي: اقتربن، دعوني أراكن مرةً أخيرة.
ناديتُ أخي: ابقَ قليلاً، لا ترحل الآن.
ناديتُ أصدقائي: ألم نكن معًا، كيف تتركوني؟
لكنهم رحلوا واحدًا تلو الآخر، خطواتهم تبتعد، وأصواتهم تخفت، حتى لم يبقَ شيء: سكونٌ كامل ووحدةٌ لم أعرفها من قبل. أدركتُ حينها أن النداء لا يُسمع، وأن بعض الفراق لا رجعة فيه. جلستُ، أو ظننتُ أنني جلست، في ذلك الظلام الهادئ، واستحضرتُ كل شيء: وجوهكم •• أصواتكم •• ضحكاتكم •• حتى خلافاتنا الصغيرة التي بدت الآن كأنها كنوز. ابتسمتُ بحزن وقلتُ: كم كنتُ أتمنى أن أقول لكم أني أحبكم أكثر مما كنت أظن.
وفي تلك اللحظة، لم يعد هناك خوف، بل حنين. رحلتُ عنكم، لكنني لم أرحل منكم. فإن شعرتم يومًا بذكرى تمرّ بقلوبكم دون سبب، أو بدعوةٍ تخرج من أعماقكم فجأة، فاعلموا أنني ما زلتُ أناديكم، ولكن بطريقة لا يسمعها سوى القلب.
● الكاتب: مساعد مدير المخابرات الحربية سابقًا- حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية- خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.