محمد جرامون يكتب: رسالة إلى أمي فى يوم عيدها

في يوم عيدك يا أمي، بحثتُ في قاموس الكلمات فلم أجد بينه ما يمكن أن يوفيكِ حقكِ، أمسكتُ بقلمي لكي أكتب عنكِ، فعجز القلم عن وصفكِ بما تستحقين، وها هو قلمي يرتجف خجلًا في يدي، فكل جملة يخطها ستبقى ناقصة مهما بلغت بلاغتها. يوم عيدك يا أمي ليس ككل الأيام، لأنه باختصار يومكِ أنتِ.
أكتب إليكِ اليوم، لا ككاتب يحترف صياغة الكلمات، بل كابن يقف عاجزاً أمام عظمة ما قدمتهِ لي ولإخوتي، فأنتِ يا أمي بحرٌ من العطاء لم يجف يوماً. يا أمي، أنتِ أول حكاياتي التي سكنت قلبي، وتكحلت بها عيني منذ لحظاتي الأولى في الحياة.
دعواتك تلاحقني في كل عثراتي فتنتشلني قبل السقوط، وترافقني في كل نجاحاتي وتحقيق أمنياتي. لم تشتكي يوماً من كثرة مسؤولياتكِ والأعباء الملقاة عليكِ، ياااه يا أمي، كم مرةً تعبتِ ولم تقولي، وكم مرةً تألمتِ وكنتِ تبتسمين وتدارين ألمكِ كي لا نحزن عليكِ، وكم مرةً أخفيتِ دموعكِ خلف صلابتكِ.
في يوم عيدك يا أمي، بحثتُ عن هديةً تليق بكِ لأهديها إليكِ، لكنني وجدتُ كل الهدايا مهما غلا ثمنها تظل صغيرة أمام فيض حنانكِ وقلبكِ الكبير، وكل ما منحتِني إياه. فأنتِ من منحتِني الحياة، وأنتِ من علمتِني الكلام.
يا أمي، إن كان للعطاء عنوان، فهو اسمكِ، وإن كان للحب وطن، فأنتِ حدوده، وإن كان للطمأنينة معنى، فهو حضنكِ الذي يحتويني وقت ضعفي واحتياجي.
وما زلت أبحث في قاموس الكلمات عن كلمات اعتذار عن كل لحظة قصرتُ فيها معكِ، وعن كل كلمة شكر لم أقلها في وقتها، ولكن اعلمي يا أمي أنكِ تسكنين في كل تفصيلةٍ بداخلي، وأن حرصي قدر استطاعتي على رضاكِ، كما علمني ديني، كان يشعرني دائماً بأن الله معي، ويزيد من قدرتي على مواجهة الصعاب مهما اشتدت، فرضاكِ من رضا ربي.
ولقد كانت إصابتكِ بوباء كورونا عام 2020، ومكوثكِ بمستشفى الصدر 13 يوماً متواصلين، اختباراً حقيقياً لي ولأشقائي عن مدى حبنا لكِ واستعدادنا للتضحية بأنفسنا من أجلكِ. ففي الوقت الذي كان يختفي فيه غالبية الناس داخل منازلهم خوفًا من هذا الوباء المُعدي الفتاك، كنتُ وأشقائي نتواجد معكِ بالتناوب على ثلاث فترات طوال اليوم داخل غرفة بها ثلاث مصابات مثلكِ، دون أن نخشى الإصابة أو نخشى على أولادنا وزوجاتنا عند العودة إليهم. ساعتها فقط استطعنا أن نرد لكِ جزءاً ضئيلًا جدًا مما فعلتِه وتفعلينه من أجلنا.
في يوم عيدك يا أمي، أدعو الله أن يطيل لنا في عمركِ، وأن يمنحكِ الصحة والراحة كما منحتِنا عمركِ كله دون مقابل. وأدعوه أن تبقي النور الذي لا ينطفئ، والسند الذي لا يميل.
كل عام وأنتِ بخير يا أمي، وكل يوم وأنتِ معنا، وكل يوم وأنتِ عيدنا الحقيقي.




