لواء دكتور أحمد زغلول مهران : اتفاق مكة للدفاع المشترك خطوة جديدة على طريق إعادة تشكيل الأمن الإقليمي
مصر تملك فرصة صناعة التوازن

في توقيت بالغ الحساسية تمر فيه منطقة الشرق الأوسط بتحولات متسارعة جاء توقيع المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية على اتفاق مكة للدفاع المشترك ليضيف تطوراً جديداً إلى المشهد الأمني الإقليمي والاتفاق يعكس رغبة الدول الثلاث في تعزيز التعاون الدفاعي والأمني ورفع مستوى التنسيق والجاهزية وتطوير القدرات المشتركة في إطار يحفظ لكل دولة سيادتها وقرارها الوطني وتبرز أهمية الاتفاق بصورة خاصة في النص الذي أعلن عنه ومفاده أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً وهو مفهوم معروف في ترتيبات الدفاع الجماعي ويهدف في جوهره إلى تعزيز الردع ورفع تكلفة أي اعتداء محتمل ولكن من المهم في قراءة هذا التطور ألا ننظر إليه من زاوية عسكرية فقط أو نسارع إلى وضعه في إطار الاستقطاب والمحاور فالسياسة الرشيدة تبدأ من قراءة النصوص والوقائع كما هي لا كما قد يرغب البعض في تفسيرها .
*اتفاق دفاعي لا إعلان خصومة*
من وجهة نظرى فإن أهم ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الدفاع المشترك لا يعني بالضرورة صناعة عدو مشترك فالقدرة على الردع ليست دعوة إلى الحرب وإنما قد تكون وسيلة لمنعها كما أن توقيع اتفاق دفاعي بين ثلاث دول لا يعني تلقائياً أنه موجه ضد دولة بعينها ما لم يتضمن الاتفاق نفسه أو البيانات الرسمية المصاحبة له ما يؤكد ذلك وهنا تكمن أهمية الخطاب السياسي المصاحب للاتفاق فكلما كان واضحاً في التأكيد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والالتزام بالقانون الدولي وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية أصبح الاتفاق أكثر قدرة على أداء وظيفة الردع دون أن يتحول إلى عامل إضافي للتوتر وهذا يتفق مع الاتجاه الذي ظهر في المواقف الإقليمية الأخيرة نحو تغليب الحوار والدبلوماسية وخفض التصعيد .
*البعد الاستراتيجي للاتفاق*
عند النظر إلى الدول الثلاث نجد أن لكل منها مقومات استراتيجية مختلفة يمكن أن تتكامل مع الدولتين الأخريين فالمملكة العربية السعودية تمتلك ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً وسياسياً كبيراً وموقعاً بالغ الأهمية بالنسبة لأمن الخليج والبحر الأحمر وأمن الطاقة والتجارة الدولية أما تركيا فتملك موقعاً جغرافياً فريداً يصل بين قارتي آسيا وأوروبا فضلاً عن تطور صناعاتها الدفاعية وخبراتها المتزايدة في التكنولوجيا العسكرية بينما تمتلك باكستان خبرة عسكرية واسعة وموقعاً استراتيجياً مهماً في جنوب آسيا وعلاقات تاريخية مع عدد من دول المنطقة ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للتعاون ليست في جمع القدرات العسكرية فحسب وإنما في تكامل الخبرات والاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة والتدريب وتبادل المعلومات .
*الصناعات الدفاعية •• من شراء السلاح إلى امتلاك التكنولوجيا*
أعتقد أن هذا هو البعد الذي يجب أن يحظى باهتمام أكبر في أي تعاون دفاعي مستقبلي فالعالم لم يعد يقيس القوة العسكرية بعدد الأسلحة التي تمتلكها الدولة فقط وإنما بقدرتها على تطوير التكنولوجيا وصناعة المعدات والذخائر وقطع الغيار وتأمين سلاسل الإمداد والحفاظ على استمرارية الجاهزية ومن ثم فإن التعاون السعودي – التركي – الباكستاني يمكن أن يفتح افاقاً مهمة أمام مشروعات مشتركة في الصناعات الدفاعية والتقنيات الحديثة وفق ما تسمح به الاتفاقات والأنظمة الوطنية للدول الثلاث وقد شهدت العلاقات السعودية – التركية بالفعل تطوراً في مجال التعاون الدفاعي وتوطين بعض الصناعات والتقنيات الأمر الذي يؤكد أن البعد الصناعي يمكن أن يكون أحد المكونات المهمة في العلاقات الاستراتيجية بين الدول والقاعدة هنا واضحة من يمتلك التكنولوجيا يمتلك جزءاً أكبر من استقلال قراره الاستراتيجي .
*أمن الممرات البحرية والمنشآت الحيوية*
تفرض الجغرافيا نفسها على أي نقاش يتعلق بالأمن الإقليمي فالدول الثلاث تقع بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالقرب من مسارات بحرية وتجارية ذات أهمية استراتيجية ولذلك فإن التعاون في مجال حماية الملاحة الدولية ومكافحة التهديدات التي تستهدف السفن والمنشآت والموانئ والبنية التحتية الحيوية يمكن أن يمثل مجالاً مهماً للتعاون الأمني مستقبلاً لكن يجب أن نفرق هنا بين ما نص عليه الاتفاق بصورة معلنة وبين ما يمكن أن يمثل مجالاً لتطوير التعاون فالقول إن الاتفاق يؤسس بالفعل لمنظومة عسكرية لحماية جميع الممرات البحرية والمنشآت الحيوية سيكون سابقاً لأوانه ما لم تُعلن تفاصيل رسمية بهذا المعنى والأدق استراتيجياً أن نقول إن التعاون الدفاعي الجديد يفتح المجال أمام تطوير آليات مشتركة لحماية المصالح الحيوية للدول الثلاث بما في ذلك أمن الملاحة والبنية التحتية وفقاً للقانون الدولي والاتفاقات ذات الصلة
*من الناحية القانونية •• أين يقف الاتفاق؟*
هذه النقطة مهمة للغاية فمبدأ الدفاع عن النفس والدفاع الجماعي له أساس في القانون الدولي ولا سيما في إطار المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تقر بالحق الطبيعي للدول في الدفاع الفردي والجماعي عن النفس في حال وقوع هجوم مسلح لكن هذا الحق ليس تفويضاً مفتوحاً باستخدام القوة دون ضوابط فأي إجراءات تتخذها الدول في إطار الدفاع الجماعي يجب أن تراعي قواعد القانون الدولي ومبادئ الضرورة وأحكام ميثاق الأمم المتحدة والقواعد المنظمة لاستخدام القوة وبالتالي فإن عبارة “*الاعتداء على دولة هو اعتداء على الجميع*” ينبغي فهمها باعتبارها التزاماً سياسياً واستراتيجياً بالدفاع المشترك وفقاً لأحكام الاتفاق والقانون الدولي وليس باعتبارها إعلاناً تلقائياً أو غير مشروط للحرب وهذا التفريق مهم جداً من الناحية القانونية والإعلامية .
*هل نحن أمام “ناتو إقليمي”؟*
لا أرى أن من الحكمة إطلاق هذا الوصف على الاتفاق في هذه المرحل فالتشبيه بحلف شمال الأطلسي قد يكون مفيداً في بعض التحليلات الصحفية لتقريب الفكرة لكنه قد يكون مضللاً إذا أصبح بديلاً عن قراءة النص الفعلي للاتفاق الأصح أن نتحدث عن ترتيب دفاعي ثلاثي يمكن أن يتطور مستقبلاً وفقاً لما تقرره الدول الأطراف والأهم ألا يتحول المصطلح إلى أداة لإثارة مخاوف دول أخرى أو إعطاء الاتفاق طابعاً صدامياً لم تعلنه الدول الموقعة .
*ماذا عن الولايات المتحدة؟*
أما الولايات المتحدة فمن المهم التعامل مع موقفها بمنتهى الدقة ولا ينبغي نسب موقف رسمي إلى واشنطن بشأن الاتفاق قبل صدور بيان رسمي أمريكي واضح يحدد رؤيتها لكن من الناحية الاستراتيجية من الطبيعي أن تتابع الولايات المتحدة هذا التطور باهتمام فالسعودية وتركيا وباكستان دول ذات أهمية كبيرة في الحسابات الأمريكية كما أن أمن الخليج والبحر الأحمر وطرق التجارة والطاقة يمثل مصالح دولية واسعة والاتجاه الأكثر واقعية هو أن الاتفاق قد يعكس رغبة متزايدة لدى دول المنطقة في تنويع شراكاتها الدفاعية ورفع قدرتها على الاعتماد على إمكاناتها الذاتية وهذا لا يعني بالضرورة أن الاتفاق موجه ضد الولايات المتحدة كما لا يعني انتهاء الدور الأمريكي في المنطقة فالسياسة الدولية الحديثة تقوم على تعدد الشراكات وليس بالضرورة على اختيار شريك واحد وإقصاء الآخرين .
*مصر •• الدولة التي تستطيع صناعة الجسر*
وهنا أصل إلى النقطة التي أراها الأكثر أهمية بالنسبة لنا في مصر فمصر ليست طرفاً في اتفاق مكة ولا ينبغي أن نتعامل مع ذلك باعتباره نقصاً أو موقفاً سلبياً فمصر تمتلك أوراقاً استراتيجية مختلفة لقد استضافت القاهرة في 21 يونيو 2026 الاجتماع التشاوري الرابع لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان وأكدت الدول الأربع أهمية استمرار التشاور والتنسيق لدعم السلام والأمن والاستقرار في المنطقة والأكثر أهمية أن هذا الاجتماع لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي فقد تناول قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي وطرق الملاحة الدولية وخفض التصعيد وتسوية الأزمات كما عقد وزير الخارجية المصري لقاءً ثلاثياً مع نظيريه السعودي والتركي في القاهرة جرى خلاله التأكيد على استمرار التنسيق والتشاور بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي وتسوية الأزمات وهنا تظهر قيمة الدور المصري فالقاهرة تستطيع أن تكون جسراً سياسياً وأمنياً بين المنظومات العربية والشركاء الإقليميين دون أن تدخل في سياسة المحاور أو الاستقطاب .
*مصر وأمن البحر الأحمر وقناة السويس*
يمثل الموقع المصري عاملاً لا يمكن تجاهله فأمن البحر الأحمر يرتبط بصورة مباشرة بأمن قناة السويس وأمن الملاحة الدولية والتجارة العالمية والاقتصاد المصري وقد أكدت مصر والسعودية في يونيو 2026 أهمية ضمان حرية الملاحة وفق قواعد القانون الدولي ورفض الإجراءات الأحادية التي تضر بحركة الملاحة الدولية والتجارة العالمية ومن ثم فإن المصلحة المصرية ليست في الدخول في سباق تحالفات وإنما في دعم كل جهد مسؤول يحافظ على حرية الملاحة ويمنع تهديد الممرات الدولية ويحمي الأمن الإقليمي .
*وماذا عن بقية الدول العربية؟*
من الخطأ أن تنظر الدول العربية إلى الاتفاق باعتباره مجرد ترتيبات بين ثلاث دول الأفضل أن تتعامل معه باعتباره تطوراً جديداً ينبغي دراسته والاستفادة من إيجابياته مع الحفاظ على منظومة العمل العربي المشترك فالأمن العربي لا يمكن أن يبنى على ردود الأفعال والمطلوب هو الانتقال من مفهوم “*الاستجابة للأزمة*” إلى مفهوم “*الاستعداد للأزمة*” ومنعها قبل وقوعها وهذا يتطلب تطوير منظومات الإنذار المبكر والتعاون في الأمن السيبراني وحماية المنشآت الحيوية وأمن الممرات البحرية ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتبادل الخبرات والتدريب وتطوير الصناعات الدفاعية العربية .
*الرسالة الأهم •• القوة لحماية السلام*
إذا أردنا أن نقرأ اتفاق مكة قراءة مسؤول فعلينا ألا نضعه في إطار الصراع بين الشرق والغرب أو بين محور وآخر فالأمن الإقليمي لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب إنما يحتاج إلى ردع مسؤول ودبلوماسية نشطة واحترام للقانون الدولي واحترام سيادة الدول وفتح قنوات الحوار حتى مع وجود الخلافات فالقوة العسكرية عندما تكون بلا عقل سياسي قد تتحول إلى مصدر خطر أما القوة عندما تقترن بالحكمة والدبلوماسية فإنها تصبح وسيلة لحماية السلام وهذا هو المفهوم الذي يجب أن يحكم أي منظومة دفاعية إقليمية جديدة .
*دروس استراتيجية للعرب*
١- الامن الوطني لا يقوم على القوة العسكرية وحدها وإنما على الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة والمعلومات والدبلوماسية .
٢- الردع الحقيقي لا يعني الرغبة في الحرب وإنما امتلاك القدرة التي تمنع الآخرين من التفكير في الاعتداء .
٣- امتلاك قاعدة صناعية دفاعية وطنية وإقليمية أصبح جزءاً من استقلال القرار الاستراتيجي .
٤- أمن الممرات البحرية أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي للدول .
٥- تعدد الشراكات الدولية يمكن أن يعزز استقلال القرار بشرط ألا يتحول إلى صراع محاور .
٦- الدبلوماسية ليست بديلاً عن القوة كما أن القوة ليست بديلاً عن الدبلوماسية وإنما التكامل بينهما هو أساس السياسة الرشيدة .
٧- مصر قادرة بحكم موقعها وثقلها وعلاقاتها المتوازنة على أداء دور محوري في بناء التفاهمات الإقليمية .
*توصيات إلى المنظومة العربية*
أرى أن المرحلة المقبلة تتطلب سبعة مسارات رئيسية كالتالى :
١- تفعيل آليات التشاور العربي في قضايا الأمن القومي والمخاطر الإقليمية .
٢- إنشاء منظومة عربية متقدمة للإنذار المبكر ضد الصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات السيبرانيه
٣- تعزيز أمن البحر الأحمر وقناة السويس والخليج العربي والبحر المتوسط من خلال التعاون والتنسيق واحترام القانون الدولي .
٤- دعم الصناعات الدفاعية العربية المشتركة وتوطين التكنولوجيا بدل الاعتماد الكامل على الاستيراد .
٥- توسيع التعاون في الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية والتقنيات الدفاعية الحديثة .
٦- دعم أي ترتيبات إقليمية دفاعية لا تقوم على استهداف دولة بعينها وتحترم سيادة الدول والقانون الدولي .
٧- منح مصر دوراً أكبر في بناء الجسور السياسية والأمنية بين الدول العربية والقوى الإقليمية والدولية بما يخدم الأمن العربي والاستقرار الإقليمي .
إن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل بلا شك تطوراً مهماً يستحق الدراسة الهادئة بعيداً عن المبالغة ولا أراه في حد ذاته إعلاناً عن مواجهة مع دولة ولا ينبغي أن يُدفع إلى هذا الاتجاه بل إن القيمة الحقيقية لأي اتفاق دفاعي تقاس بقدرته على حماية الأمن ومنع الحرب وتعزيز الاستقرار وحماية المصالح الحيوية وفتح المجال أمام التعاون والتكامل ومن هنا فإن الرسالة التي يجب أن تصل من المنطقة إلى العالم هي أن دولها لا تبحث عن الحرب لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن تكون أمنها ومصالحها ومستقبل شعوبها رهينة للمتغيرات الدولية نحن نحتاج إلى القوة ولكننا نحتاج قبلها إلى الحكمة ونحتاج إلى الردع ولكننا نحتاج معه إلى الحوار ونحتاج إلى التحالفات والشراكات ولكننا نحتاج أكثر إلى قرار وطني مستقل وشراكة عربية متماسكة وفي تقديري فإن الفرصة الحقيقية أمام مصر والدول العربية ليست في الدخول في سباق تحالفات وإنما في بناء منظومة أمن إقليمي متوازنة تتكامل فيها القدرات العربية مع الشراكات الإقليمية والدولية دون أن تتحول المنطقة إلى ساحات لصراع المحاور فالأمن الحقيقي ليس أن نبحث دائماً عن من يحمينا وإنما أن نبني من القوة والوحدة والاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية ما يجعل السلام خياراً ممكناً والحرب خياراً مكلفاً والاعتداء قراراً غير عقلاني .
*في النهاية ••* هي فلسفة الأمن التي تستحقها منطقتنا .
نبذة تعريفية بالكاتب : اللواء دكتور أحمد زغلول مهران مساعد مدير المخابرات الحربية السابق – حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية – خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية – المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية تتهافت الصحف والمواقع المحلية والعربية لنشر مقالاتة وتحليلاتة الامنية والعسكرية لما له من تاريخ طويل في العمل العسكري داخل جهاز المخابرات الحربية مما يجعل تحليلاتة مصدر موثوق للمعلومة




