أسرار وتجارب اللواء د. أحمد زغلول مهران

لواء د . احمد زغلول مهران يتحدث عن درس في الحياة : حينما تخون الكلمة •• يسقط المال وتسقط معه القيم

الكلمة ليست صوتاً يخرج من الفم وإنما توقيع يكتبه الإنسان على صفحة تاريخه

ليست كل الخسائر تُقاس بالأرقام وليست كل الهزائم تُكتب في دفاتر الحسابات فهناك خسائر لا يداويها الزمن بسهولة لأنها تصيب أغلى ما يملكه الإنسان الثقة ومن المؤسف أن المال الذي خلقه الله وسيلةً لتيسير الحياة يتحول أحياناً إلى أداة تهدم أسمى العلاقات الإنسانية عندما يقع في أيدي النفوس الضعيفة في تلك اللحظة يتراجع الوفاء وتتوارى المروءة ويبدأ الطمع في رسم ملامح جديدة لأشخاص كنا نظن أنهم أوفى الناس عهداً .

إن أخطر أنواع الخيانة ليست سرقة المال وإنما سرقة الثقة فالمال قد يُعوَّض أما الثقة إذا انكسرت فإنها تترك في القلب ندبة قد لا تمحوها سنوات العمر كلها كم من إنسان حمل غيره فوق كتفيه وفتح له الأبواب وقدمه على نفسه ودافع عنه في غيابه قبل حضوره وآمن بقدراته أكثر مما آمن بنفسه ثم كانت النهاية صدمة لم يكن يتوقعها حين وجد أن أول اختبار حقيقي كان كفيلاً بأن يكشف أن الوفاء لم يكن متبادلاً وأن الكلمة التي كانت تُقال بكل ثقة لم تكن سوى حروف فقدت قيمتها أمام بريق المال إن الوعد ليس جملة تُقال لإرضاء الآخرين بل هو عقد أخلاقي قبل أن يكون التزاماً قانونياً والكلمة ليست صوتاً يخرج من الفم وإنما توقيع يكتبه الإنسان على صفحة تاريخه ولذلك قيل قديماً”*الرجال تُعرف بعهودها، لا بأقوالها*.”

والغريب أن بعض الناس حين يُسأل عن سبب إخلافه للعهد يبحث عن مبررات لا وجود لها إلا في خياله فيتهم غيره بعدم الشفافية بينما الحقيقة أن أكثر الناس شفافية هو أكثرهم حرصاً على استمرار العلاقة وأكثرهم تغاضياً عن الأخطاء حفاظاً على الود لكن الخيانة لا تحتاج إلى دليل طويل لأنها تظهر في لحظة واحدة تظهر عندما يصبح الطمع أقوى من الضمير وتظهر عندما يظن الإنسان أن المكسب المؤقت سيعوض خسارة القلوب وتظهر عندما يعتقد أن الاستحواذ على المال انتصار بينما الحقيقة أنه خسر احترامه قبل أن يخسر الآخرين .

إن الإنسان قد ينجح في إخفاء الحقيقة عن الناس زمناً لكنه لا يستطيع أن يخدع ضميره إلى الأبد ولا أن يهرب من قانون الحياة الذي يعيد لكل إنسان ما زرعه خيراً كان أو شراً ومن أكثر المشاهد إيلاماً أن تمتد آثار هذه الخيانة إلى أبرياء كانوا ينتظرون تنفيذ الوعود وبنوا آمالهم على كلمة قيلت لهم بثقة هؤلاء لا ذنب لهم إلا أنهم صدقوا من نقل إليهم الأمل فإذا بالوعد يتحول إلى سراب بسبب قرار اتخذه شخص فضّل مصلحته الضيقة على مصلحة الجميع وهنا تتسع دائرة الخسارة .

فلم يعد الأمر متعلقاً بشخصين بل أصبح متعلقاً بثقة مجتمع كامل وبأحلام أشخاص كانوا ينتظرون بداية جديدة فإذا بهم يواجهون خيبة أمل لم يكونوا طرفاً في صناعتها .

*إن الخيانة لا تُسقط مشروعاً فقط وإنما تُسقط معها صورة الإنسان في أعين من وثقوا به.*

والتاريخ يعلمنا أن أعظم القيادات لم تُبنَى على المال وإنما بُنيت على الكلمة الصادقة ولذلك بقيت أسماء كثيرة خالدة رغم فقرها بينما اختفت أسماء أخرى امتلكت الأموال والثروات لأنها فقدت شرف الكلمة .

*فالمال يستطيع أن يشتري خدمات لكنه لا يستطيع أن يشتري احتراماً.*

ويستطيع أن يجمع حول صاحبه المنتفعين لكنه يعجز عن أن يصنع صديقاً مخلصاً ويستطيع أن يبني قصوراً لكنه لا يستطيع أن يبني ضميراً ومن هنا فإن الشباب وهم يخوضون معترك الحياة يحتاجون إلى أن يدركوا حقيقة قد لا يتعلمونها في الجامعات وهي أن رأس المال الحقيقي ليس ما في الحسابات البنكية وإنما ما في رصيد الإنسان من مصداقية قد تخسر صفقة لكن لا تخسر سمعتك وقد تؤجل ربحاً لكن لا تؤجل الوفاء وقد تختلف مع شريك لكن لا تجعل الخلاف سبباً في خيانة عهد أو كسر كلمة فالأيام تدور والوجوه تتغير والمواقف تتبدل لكن السمعة تبقى أطول عمراً من أصحابها .

ولعل من أهم الدروس التي تقدمها لنا الحياة أن من يطمع في كل شيء يخسر في النهاية كل شيء لأن العلاقات الإنسانية لا تُدار بمنطق الغنيمة وإنما بمنطق المشاركة والوفاء والاحترام .

إن أعظم الثروات هي أن يطمئن الناس إلى كلمتك وأن يشعروا أن وعدك لا يحتاج إلى عقد وأن حضورك يمنحهم الأمان لا القلق والثقة لا الشك فإذا وصلت إلى هذه المكانة فقد امتلكت ما هو أغلى من المال كله .

الدروس المستفادة

١- اجعل كلمتك أغلى من توقيعك لأن الناس قد تنسى العقود ولا تنسى المواقف .
٢- لا تسمح للمال أن يغير أخلاقك فالأموال تذهب وتعود أما السمعة فإذا سقطت يصعب أن تعود كما كانت .
٣-.احرص على اختيار شركائك كما تختار أفراد أسرتك فالشراكة الحقيقية تقوم على القيم قبل المصالح .
٤- لا تبرر خيانة العهد بأعذار صنعتها مخيلتك وتهيئواتك فالصدق لا يحتاج إلى مبررات .
٥- إذا كنت مؤتمناً على أحلام الآخرين فتذكر أن إخلاف الوعد قد يهدم مستقبل أشخاص لا ذنب لهم 
٦- تعلم أن الاعتذار عند الخطأ قوة أما المكابرة فهي بداية السقوط .

رسالة إلى الإنسان

لا تجعل المال غايةً تبرر كل وسيلة ولا تسمح للمكاسب المؤقتة أن تسرق منك احترامك لنفسك ابنى حياتك على الصدق واجعل الوفاء هو رأس مالك الأول فالحياة تمنح الفرص لمن يملك الكفاءة لكنها تحفظ المكانة لمن يحفظ العهد واعلم أن الإنسان قد يربح صفقة ويخسر إنساناً لكنه إذا خسر الإنسان الذي وثق به فقد خسر ما لا تستطيع كل ثروات الأرض أن تعيده

وفي نهاية •• يبقى التاريخ شاهداً لا يدوّن حجم الأموال التي امتلكها الناس بل يدوّن كيف تعاملوا مع من وثق بهم فالكلمة الصادقة لا تشيخ والعهد الصادق لا يسقط بالتقادم والوفاء يظل العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها مهما تبدلت الأزمنة .

فاحرصوا أن تكونوا ممن يُؤتمنون إذا وعدوا ويُصدقون إذا تحدثوا ويُفتقدون إذا غابوا فذلك هو الاستثمار الحقيقي وهو الإرث الذي يبقى بعد انقضاء العمر وهو الطريق الذي يصنع الإنسان قبل أن يصنع النجاح ويبني الأوطان قبل أن يبني الثروات

نبذة تعريفية بالكاتب: اللواء دكتور أحمد زغلول مهران مساعد مدير المخابرات الحربية السابق – حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية – خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية ـ تتهافت الصحف والمواقع المحلية والعربية لنشر مقالاتة وتحليلاتة الامنية والعسكرية لما له من تاريخ طويل في العمل العسكري داخل جهاز المخابرات الحربية مما يجعل تحليلاتة مصدر موثوق للمعلومة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى