مقالات

د. عادل عامر يكتب: ترسيخ النظام العربي الجديد

وجدت الأنظمة العربية نفسها بين فكي كماشة، الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتطلعاته المفتوحة لبسط سيطرته على ثروات العالم بالاعتماد على قوة الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية؛ ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو و”حلمه” ببسط النفوذ الصهيوني على ما يسميها “إسرائيل الكبرى” مباشرة، باحتلال مساحات من الأرض العربية، أو غير مباشرة، عبر الهيمنة والسيطرة؛ وذلك بالتحالف مع الأول والحصول على مباركته ودعمه المباشر وتجنيد القدرات الأميركية الدبلوماسية والسياسية والعسكرية لصالح مشروع الهيمنة والسيطرة، بما في ذلك التشارك في خوض معارك خدمة لهدف الطرفين.

وقد كشف العدوان الأميركي الصهيوني على إيران، ومباركة الأول عمليات الكيان الصهيوني في لبنان، وغضّه النظر عن احتلاله أراضي في الجنوب السوري وتوغلاته المتواترة فيه،

 وطرحه خلال المفاوضات حول الاتفاق الأمني بين السلطة السورية الجديدة والكيان الصهيوني مقارباتٍ تخدم أهداف الأخير، وتمنحه حقّ التصرف في سورية، وفق تقديراته وما يعتبرها ضروراته الأمنية.

لقد وجدت الأنظمة العربية نفسها عاجزة في مواجهة تسونامي الثنائي ترامب نتنياهو؛ لم ينفعها التزلف للأول ولا الوعود باستثمار تريليونات الدولارات في الاقتصاد الأميركي، وقد وضعها العدوان الأميركي الصهيوني على إيران وتوسيع الأخيرة دائرة ردّها بتوجيه صواريخها ومسيراتها ضد أهداف عسكرية ومدنية وبنى تحتية حساسة مثل منشآت الطاقة، والموانئ، ومحطات تحلية المياه في عدة دول العربية في موقف دقيق: البقاء في الدفاع وتلقي ضربات إيران العدوانية من دون رد أو الرد والانخراط في الحرب إلى جانب الكيان الصهيوني الذي لن يتوانى عن الضغط عليها وابتزازها والتدخل في سياساتها وشؤونها الداخلية في حال خرج منتصرا في هذه الحرب.

يبدو الزلزال العربي الحالي نتيجة منطقية للممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في الحياة العربية، والبحث عن مكمن الخلل يستدعي قراءة متعددة المستويات، باعتبار ما حصل وليد حالة مركّبة ومعقدة، تداخل فيها وتشابك المحلي بالإقليمي والدولي، فالأنظمة العربية، التي فشلت في اختبار حماية الوطن والمواطنين، بسبب إدارة السياسة بطريقةٍ لا تنتمي إلى منطق العصر؛ غريبة عن القواعد السياسية المتعارف عليها، حيث تجاهلت أولويات العملية السياسية وقواعدها، التي ترى أن حماية الوطن من القوى الخارجية تتطلب، بالدرجة الأولى، تحصين الجبهة الداخلية بما يستدعيه من قدرات اجتماعية واقتصادية وعسكرية، وإقامة شبكات تعاون وتحالف وتشارك عربية وإقليمية ودولية مناسبة، تحقّق نوعاً من توازن قوى يوفر مستوى من الحماية، والتخطيط لمواجهة العدوان الخارجي بالوسائل المناسبة، بعد أخذ المعطيات الكمّية والكيفية على طرفي الصراع بالحسبان.

لو أن الأنظمة العربية شقّت طريقاً مختلفاً عما كانت تفعله، طريق إشراك المجتمع في صياغة السياسات واتخاذ القرارات عبر مؤسّسات وطنية حقيقية، لكانت حوَّلت مجتمعاتها إلى قوة موحدة، ولضمنت وقوفها خلف قراراتها في الحرب والسلم وتحمّلت تبعات الموقف التي يقتضيها إغلاق أرض الوطن في وجه التدخلات الخارجية، المباشرة وغير المباشرة، وردعت أي قوة تفكّر بالمسّ بأمن البلاد وسيادتها، والتصدي للقوات الغازية صفا واحدا، ولحصّنت نفسها بموقف دولي متعاطف هدفه حماية أنظمة شعبية منسجمة مع مجتمعاتها ومتصالحة مع محيطها.

لا توجد إجابة واحدة عن أسباب هذا الوضع المركب المتراجع.

إحدى الإجابات مرتبطة بنشوء سلطات في الخريطة العربية جذبتها الرأسمالية الجديدة بتوحشها. هذه الحالة أدت إلى انغماس السياسيين العرب في الجمع بين المنصب السياسي وتجميع المال، وبين المنصب السياسي وتطويع الاقتصاد الوطني ليصبح اقتصادًا خاصًا وملكًا لقادة وسياسيين. في الجوهر لا توجد في الحالة العربية مساءلة ونقاش علني وحريات مضمونة. فمن صفات القيادات السياسية، في زمن توحش الرأسمالية، مضاهاة كبار رجال الأعمال بقدراتهم المالية التي تجيزها إداراتهم غير المساءلة.

هذا هو الفارق الكبير بين مرحلة جمال عبد الناصر الذي لم يترك وراءه شركات وأبناء متنفذين، وبين ما سيقع فيما بعد انقضاء مرحلة السادات. ونجد الفارق نفسه بين الرئيس الجزائري بومدين الذي لم يجذبه المال والرئيس بوتفليقة (رغم الإرث النضالي للرئيس بوتفليقة عندما كان وزيرًا للخارجية)، ونجد الفارق نفسه بين الرئيس نور الدين الأتاسي في ستينيات القرن العشرين والرئيس الأسد بعد ذلك. حب المال والسعي لاقتنائه وتسليم الأقارب والأبناء والزوجات للسلطة السياسية بأي ثمن في ظل تسليع السياسة والإدارة وتحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد شخصي.

وتتضح مشكلة العرب عبر طريقة انتقال السلطة بعد موت القائد، ففي عملية الانتقال قلّما نجد مكانًا للشعب أو للمجتمع بكل فئاته، ومع انتقال السلطة يستطيع الحاكم الجديد الاستفراد بالسلطة بصورة مطلقة إن قرر ذلك، فلا يوجد من يحد من سلطاته، ولا قوانين حاسمة تمنع الاستفراد، ولا حريات صحافية تسمح بالنقد، ولا برلمانات تضع حدودًا وقلّما نلتزم بالإطار الدستوري. نحن في إقليم قادته يحكمون مدى الحياة، وجمهورياته لا تتغير إلا بالانقلاب والثورات، ومعظم ملكياته، وبدرجات مختلفة، تعيش إما حالة من التكلس وإما حالة مناقضة لها تقوم على الانبهار المطلق بالنماذج الغربية في ظل ضعف في الانتقال الذي يوازن بين القيم وبين التجديد وبين الأسلوب السابق والأساليب الجديدة.

وقد انتقل المرض الرسمي العربي إلى المجتمع وأصبح بالتالي أكثر تغلغلًا في ثقافة المجتمع. لقد أصبحت الثقافة العربية مسطحة بسبب ثقافة البعد الواحد، وذلك في إطار تحول قطاع من ممثليها إلى الرأي الأحادي شبه الرسمي، هذا خلق ثقافة ركيكة لا تقبل النقد والتقييم، ثم حوَّل الثقافة وقطاعًا من المثقفين إلى سلطة رقابة وتقييد حريات. الثقافة لا تنمو إلا بالحرية والابتعاد من الوطن العربي بأن نظامًا كهذا يؤدي إلى الفشل، لكن مسـؤولية كل فشل توضع على الجنود وبسطاء الناس وصغار الموظفين وقلّما توضع على صناع القرار الأساسيين. وهذا يترافق في وطننا العربي مع غياب النموذج واختفاء دور الشعوب العربية في اختيار القادة. وبطبيعة الحال في ظل نقص قيم القيادة المرتبطة بالإنجاز والعدالة والمساءلة لا يوجد في الوقت نفسه مشروع وطني جامع يعزز مكانة الإنسان والتعليم والبحث والاستقلال والاقتصاد والحريات وخدمات العلاج.

يمكن القول إن الدول التي تخضع للهيمنة الدولية الشرسة، كدولنا العربية، والتي تشعر، في الوقت نفسه، بالضعف العلمي والتجديدي والسياسي في إقليم محاط بالدول القوية تنكفئ في نزاعاتها نحو الداخل. فعوضًا من أن تفجر هذه الدول والمجتمعات بنى التنمية والعدالة والنجاح في الداخل والخارج تبدأ بالانفجار نحو الداخل. وهذه هي أحد أهداف الهيمنة الدولية تجاه الخليج وتجاه الشرق الأوسط. فالشعور بالضعف الذاتي كما والتفكك وعمق التحكم الخارجي بما فيه الصهيوني الإسرائيلي تحول إلى عنصر رئيسي في عدائية العرب تجاه بعضهم بعضًا وعدائية الكثير من النخب السياسية تجاه شعوبها. تحوَّل الفشل مع الخارج بل والهزائم المفروضة على الأمة العربية إلى فشل في الداخل، والفشل في الداخل تحول إلى فشل في الخارج وإلى آلية للتدمير الذاتي.

يتحول جزء من هذا الانفجار نحو الداخل إلى انتحار ذاتي، فقد دأبت الأنظمة العربية على خلق أعداء وهميين لمجرد الاختلاف السياسي كما هو حاصل في عدد كبير من الدول العربية مع كل التيارات الشعبية والسياسية القائمة في المجتمع. ففي السابق كان التيار القومي عدوًا للكثير من الأنظمة، وفيما بعد أخذ مكانه التيار الإسلامي بشقه السياسي السني والشيعي، بل يمكن التأكيد أنه حتى المجموعات الإسلامية العنيفة، بكل تناقضاتها، أصبحت أكثر عنفًا بسبب التوسع في السجون والقمع والفساد وغياب حقوق الإنسان. السياسات الرسمية العربية المرتبطة بالفساد واحتكار السلطة لفئة صغيرة من الناس أدت إلى الكثير من العنف كما إلى الدولة الأمنية البوليسية، وهذا أدى بدوره إلى سقوط مشروع الدولة وزيادة الاستعداد للعنف.

مع غياب النموذج في الوطن العربي نكتشف أننا لا ننتمي عمليًا إلى النموذج الغربي أو حتى الصيني أو الروسي أو غيرها. لقد بنينا في منطقتنا نموذج اللانموذج، فقلّما ننجح خارج منظومات تكرس القمع والأمن والنهي والفرض والفوقية. عالمنا في حالة ضياع، لأنه يرفع شعار الأمن منذ عشرات السنين، لكن هذا الأمن في تراجع بسبب غياب العدالة ونقص الحريات وطرائق القيادة البليدة.

وتجيد قيادات العرب لغة الغرب حول حرية المرأة وحول بعض الحريات الشكلية، فهي في خطابها للغرب مع المرأة ومع الحريات الشخصية وتبدو بأنها تؤمن بالتعايش بين الديانات (كل الديانات)، بل وتؤمن بالتطبيع مع إسرائيل وتسعى للحوار مع أكثر المسيحيين واليهود تديُّنًا، بينما لا تقوى على فتح حوار واحد مع تياراتها السياسية، نجدها تتفاهم مع التيار الديني الأمريكي والإسرائيلي وتعجز عن التفاهم مع التيار الإسلامي العربي. لكن هدف الكثير من قيادات العرب أن تأخذ من الغرب الشرعية لقمع مجتمعاتها بالصورة التي تجدها مناسبة.

وتبدو الحالة العربية مستعدة لتقديم نموذج لليبرالية شكلية مفرغة من معظم شروط العدالة والحقوق. فالحريات الحقيقية هي بالأساس حريات سياسية قبل أن تكون حريات شخصية كما تُوهِمنا بعض الدول بأن الإنسان عليه أن يأكل ويؤمن حاجاته ومن ثم ترك السياسة للقادة. لكننا شاهدنا كيف دمرت الفردية القيادية الوطن العربي على مدى عدة عقود فسهلت على الصهيونية مهمتها في تفتيت المنطقة. ستكون أزمة القيادة في المرحلة القادمة أخطر نقاط ضعف النظام العربي. إن إنتاج النماذج السلطوية في منطقتنا، التي تحرض على الاجتثاث، أصبح السائد.

■ كاتب المقال: دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى