لواء دكتور أحمد زغلول مهران يكتب : حين تضطرب المنطقة •• كيف نبني القوة الداخلية ونتخذ القرار الصحيح؟
دروس من أزمات الشرق الأوسط في إدارة الذات وترتيب الأولويات وصناعة المستقبل

في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً واضطراباً حيث تتشابك الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية وتتسارع الأحداث بصورة غير مسبوقة تبرز حقيقة استراتيجية لا تقبل الجدل الأمم التي تمتلك قوة داخلية تستطيع عبور الأزمات والأفراد الذين يمتلكون وضوح الرؤية يستطيعون صناعة مستقبلهم مهما كانت التحديات لقد كشفت الأحداث الجارية أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الصواريخ والطائرات المسيّرة أو الصراعات العسكرية بل يكمن أيضاً في الارتباك وفقدان البوصلة وسوء تقدير الأولويات فكما تحتاج الدول إلى مراكز لإدارة الأزمات واتخاذ القرار يحتاج الإنسان أيضاً إلى مركز قيادة داخلي يدير حياته وأهدافه ومواقفه ومن هنا تصبح التقوية الداخلية وترتيب الأولويات وصناعة القرار ليست مجرد مهارات حياتية بل ضرورة وجودية في زمن التحولات الكبرى لذا اعرض بعض الخواطر اقرب للروشتة التى قد تترتقى لتكون دروس تساعد على تحقيق النجاح المنشود .
*الدرس الأول : لا قرار صحيح دون رؤية واضحة*
عندما تتعرض الدول للأزمات فإن أول ما تبحث عنه هو الرؤية الاستراتيجية والإنسان كذلك فالكثير من الناس يعيشون حالة من الإرهاق النفسي ليس بسبب كثرة المشكلات وإنما بسبب غياب الهدف الواضح إن السفينة التي لا تعرف وجهتها تتخبطها الرياح من كل اتجاه لذلك اسأل نفسك دائماً ماذا أريد بعد عام وماذا أريد بعد خمس سنوات؟ ما الرسالة التي أسعى لتحقيقها؟ ما القيمة التي أضيفها لنفسي ولمجتمعي؟ إن وضوح الرؤية يوفر نصف الطريق نحو النجاح .
*الدرس الثاني : القوة الحقيقية تبدأ من الداخل*
الأحداث الجارية أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي وأن صمود الشعوب يعتمد على تماسكها الداخلي وثقتها بنفسها والأمر نفسه ينطبق على الإنسان فالقوة الداخلية تقوم على الاتى :
*١- الإيمان بالقدرة على التغيير*
لا يوجد وضع دائم ولا توجد أزمة أبدية كل مرحلة يمكن تجاوزها إذا توفرت الإرادة والعمل .
*٢- الانضباط الذاتي*
النجاح لا تصنعه الرغبات بل تصنعه العادات فالمنضبط والملتزم يتقدم كل يوم خطوة واحدة على الأقل نحو هدفه .
*٣- الثبات أمام الضغوط*
الأزمات تكشف المعادن الحقيقية وفي اللحظات الصعبة يظهر الفرق بين من ينهار ومن يصمد .
*٤- إدارة المشاعر*
ليس المطلوب أن نتجاهل مشاعرنا وإنما أن نديرها حتى لا تديرنا .
*الدرس الثالث : ترتيب الأولويات هو مفتاح النجاة*
أهم الدروس التي تعلمناها من الأزمات الإقليمية أن الموارد مهما كانت كبيرة فإنها تبقى محدودة ولهذا فإن حسن توزيع الجهد والوقت والموارد يمثل جوهر النجاح وهنا تبرز قاعدة هامه هى (*ليس كل ما يستحق الاهتمام يستحق أن يكون أولوية*) هناك عدة مستويات للأهداف كالتالى :
*١- أهداف مصيرية* ترتبط بالمستقبل والاستقرار وتحقيق الرسالة .
*٢- أهداف مهمة* تدعم النمو والتقدم .
*٣- أهداف ثانوية* يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها .
وكلما اختلطت هذه المستويات ضاع الجهد وتشتت التركيز .
*الدرس الرابع : كيف تتخذ القرار الصحيح في زمن الضباب؟*
الشرق الأوسط اليوم يقدم نموذجاً واضحاً لخطورة اتخاذ القرارات الانفعالية فالقرار السليم يمر بعدة مراحل يفضل اجتيازها وهى :
*١- تحديد المشكلة بدقة* كثير من الناس يعالجون الأعراض ويتركون الأسباب .
*٢- جمع المعلومات* المعلومة الصحيحة نصف القرار
*٣- دراسة البدائل* دائماً يوجد أكثر من طريق للوصول إلى الهدف .
*٤- تقدير النتائج* اسأل نفسك ماذا سأربح وماذا سأخسر؟ ما التأثير طويل المدى؟
*٥- الحسم والتنفيذ* أكبر عدو للنجاح هو التردد المستمر فالقرار الذي لا يُنفذ يظل مجرد فكرة .
*الدرس الخامس : لا تسمح للأحداث أن تسرق مستقبلك*
في أوقات التوتر تنتشر الشائعات وتزداد المخاوف وتتراجع القدرة على التركيز وهنا يقع كثيرون في فخ متابعة الأخبار على مدار الساعة حتى تتحول حياتهم إلى ردود أفعال والشخص الناجح يتابع الأحداث لكنه لا يسمح لها أن تؤثر مستقبله فبينما ينشغل البعض بالقلق ينشغل آخرون بالتعلم والتطوير والتخطيط والاستعداد للفرص المتاحه .
*الدرس السادس : صناعة الإنسان تسبق صناعة الإنجازات*
لقد أثبتت تجارب الأمم الناجحة أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان فالمال يمكن تعويضه والبنية التحتية يمكن إعادة بنائها أما الإنسان الواعي القادر على اتخاذ القرار فهو الثروة التي تصنع كل الثروات ولهذا فإن بناء الشخصية القوية يجب أن يعتمد على (*المعرفة والانضباط والأخلاق والمسؤولية والانتماء الوطني*)
*خطة عملية لتقوية الداخل الانسانى*
١- اكتب أهدافك بوضوح .
٢- حدد أولوياتك الكبرى .
٣- خصص ساعة يومياً للتعلم .
٤- ابتعد عن مصادر الطاقة السلبية .
٥- مارس الرياضة والانضباط البدني .
٦- راجع قراراتك أسبوعياً .
٧- صادق أصحاب الفكر الإيجابي والنجاح .
*الدروس المستفادة*
١- الارتباك أكبر عدو لصناعة القرار .
٢- وضوح الرؤية يحمي من التشتت .
٣- القوة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في الخارج .
٤- إدارة الأزمات تحتاج إلى هدوء أكثر من حاجتها إلى ردود الفعل السريعة .
٥- ترتيب الأولويات يحول الإمكانات المحدودة إلى إنجازات كبيرة .
٦- الأمم والأفراد الناجحون يفكرون في المستقبل أكثر مما ينشغلون بالمخاوف .
٧- بناء الإنسان هو خط الدفاع الأول عن أي مجتمع .
*توصيات استراتيجية*
*١- على المستوى الفردي*
* وضع خطة شخصية واضحة لخمس سنوات قادمه .
* تخصيص وقت يومي للتطوير الذاتي .
* تنمية مهارات التفكير النقدي واتخاذ القرار .
*٢- على المستوى الأسري*
* تدريب الأبناء على تحمل المسؤولية .
* تعزيز ثقافة الحوار والمشاركة في اتخاذ القرار .
*٣- على المستوى المؤسسي*
* نشر ثقافة التخطيط الاستراتيجي .
* إعداد قيادات شابة قادرة على إدارة الأزمات .
*٤- على المستوى الوطني*
* الاستثمار المكثف في التعليم والتوعية وبناء الشخصية .
* دعم البرامج الوطنية الخاصة بإعداد القيادات .
* تعزيز قيم الانتماء والعمل والإنتاج .
فى النهايه في زمن تتغير فيه خرائط النفوذ وتتبدل فيه موازين القوى يبقى الإنسان الواعي هو الرهان الحقيقي للمستقبل فكما تحتاج الدول إلى جيوش تحمي حدودها تحتاج المجتمعات إلى عقول تحسن التفكير وقلوب تمتلك الإيمان وشخصيات قادرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب وإن أقصر طريق لعبور العواصف ليس الهروب منها بل امتلاك البوصلة التي تقودنا خلالها والبوصلة الحقيقية هي قوة الداخل ووضوح الهدف وحسن ترتيب الأولويات وشجاعة اتخاذ القرار .
نبذة تعريفية بالكاتب : اللواء دكتور أحمد زغلول مهران مساعد مدير المخابرات الحربية السابق – حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية – خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية ـ تتهافت الصحف والمواقع المحلية والعربية لنشر مقالاتة وتحليلاتة الامنية والعسكرية لما له من تاريخ طويل في العمل العسكري داخل جهاز المخابرات الحربية مما يجعل تحليلاتة مصدر موثوق للمعلومة .



