” المحطة الثانية والثلاثون ” لواء د. أحمد زغلول مهران يروي بالصور عن 120 يوماً بين الجبال •• شهادة رجل عاد من الموت
الإرهاب عندما يستهدف الإنسان قبل أن يستهدف الدولة

قد يختلف الناس في آرائهم وقد تتباين مواقفهم لكن الإنسانية لا يجوز أن تكون محل خلاف فحين يفقد الإنسان إنسانيته يصبح قادراً على ارتكاب ما تعجز الكلمات عن وصفه ليست كل محطات الحياة ذكريات جميلة نستعيدها بابتسامة وليست جميعها دروساً تعلمناها داخل قاعات الدراسة أو ميادين العمل فهناك محطات تفرض نفسها على الذاكرة لأنها كُتبت بدماء الأبرياء وبآهات المكلومين وبصبر رجال واجهوا الموت وجهاً لوجه ثم عادوا ليحكوا للأجيال كيف انتصرت إرادة الحياة على ثقافة الموت .
هذه المحطة ليست رواية أدبية ولا محاولة لإثارة المشاعر وإنما شهادة إنسانية رواها لي صاحبها بنفسه بعد أن خرج من واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يعيشها إنسان وقد آثرت أن أنقلها للأجيال القادمة لأنها تمثل وجهاً من وجوه الحرب التي خاضتها الدولة المصرية ضد الإرهاب تلك الحرب التي لم تستهدف مؤسسات الدولة وحدها بل استهدفت المجتمع بأكمله وأرادت أن تجعل الخوف أسلوب حياة واليأس بديلاً عن الأمل لقد دفعت مصر ثمناً باهظاً في تلك المواجهة فلم تكن دماء الشهداء من رجال القوات المسلحة والشرطة وحدها هي التي سالت دفاعاً عن الوطن بل امتدت يد الإرهاب إلى المدنيين وإلى العمال والمهندسين والأطباء ورجال الأعمال وكل من ارتبط عمله بمناطق المواجهة أو بمؤسسات الدولة أو حتى وجد نفسه في المكان الخطأ والزمان الخطأ وهنا تكمن خطورة الإرهاب فهو لا يبحث عن مذنب ولا يلتزم بقانون ولا يحاكم خصماً وإنما يصنع عدواً من كل من يختلف مع أفكاره أو يشك في ولائه أو يرى فيه وسيلة لبث الرعب بين الناس ومن بين عشرات الشهادات التي استمعت إليها خلال سنوات طويلة توقفت كثيراً أمام شهادة رجل أعمال مصري لم يحمل سلاحاً في حياته ولم ينخرط في عمل سياسي ولم يكن طرفاً في أي صراع لكنه وجد نفسه فجأة داخل معركة لم يخترها فقط لأنه كان يعمل في إحدى المناطق التي كانت تمثل هدفاً للتنظيمات الإرهابية آنذاك .
رجل صنع ثروته بعرق السنين
كان الحاج طارق – كما عرفته وكما عرفه كل من تعامل معه – نموذجاً لرجل الأعمال العصامي الذي بدأ من الصفر حتى أصبح يمتلك أحد المصانع المتميزة بمنطقة شق الثعبان أكبر تجمع لصناعة الرخام والجرانيت في مصر والشرق الأوسط ولم يكن المصنع مجرد منشأة صناعية بل كان ثمرة سنوات طويلة من الكفاح حتى تجاوزت قيمته السوقية آنذاك بما يضمه من معدات وخطوط إنتاج خمسةً وعشرين مليون جنيه كما كان يمتلك محجراً لاستخراج الجرانيت بالقرب من منطقة بغداد التابعة لمركز الحسنة بمحافظة شمال سيناء وهي منطقة كانت تمثل أهمية اقتصادية كبيرة لما تضمه من ثروات تعدينية تمثل جزءاً من مقدرات الدولة المصرية وكان يساعده في إدارة هذا النشاط نجلاه محمد ومحمود وكلاهما من أصحاب المؤهلات العليا حيث كانا يتوليان الإشراف الميداني على عمليات استخراج الأحجار ومتابعة نقلها إلى القاهرة وباقي المحافظات وبحكم طبيعة العمل كان التواصل مع الجهات المختصة وعلى رأسها القوات المسلحة أمراً طبيعياً لتنظيم العمل وتأمين مناطق استخراج الخامات وحماية الثروة التعدينية من السرقة والاعتداء لكن ما كان يمثل إجراءاً إدارياً طبيعياً في نظر الدولة تحول في نظر أصحاب الفكر المتطرف إلى تهمة تستوجب العقاب .
حين يصبح الواجب الوطني تُهمة
بحسب شهادة الحاج طارق بدأت إحدى المجموعات المسلحة تراقب تحركات العاملين بالمحجر ولاحظت تردد نجله محمد على إحدى الوحدات العسكرية القريبة بحكم متطلبات العمل اليومية وفي نظر تلك المجموعة لم يكن هذا التعاون جزءاً من طبيعة العمل بل فسرته باعتباره تعاوناً مع القوات المسلحة ومن هنا صدر القرار باختطاف محمد إلا أن القدر كان يكتب سيناريو آخر ففي صباح اليوم الذي خُطط فيه لتنفيذ عملية الاختطاف حضر الحاج طارق بنفسه من القاهرة لمتابعة العمل بينما اضطر نجله إلى العودة للقاهرة لإنهاء بعض الإجراءات الإدارية الخاصة بالمصنع غادر الابن وبقي الأب فتحول الهدف في لحظات .
الرصاص •• كان بداية المأساة
يروي الحاج طارق أن مجموعة مسلحة اعترضت طريقه بصورة مفاجئة ولم يكن الهدف قتله في تلك اللحظة بل منعه من المقاومة أو الفرار ويقول إنه أُصيب بطلقين ناريين في أسفل قدمه اليسرى ثم اقتيد بالقوة إلى منطقة جبلية وعرة حيث بدأت رحلة استمرت مائةً وعشرين يوماً رحلة لا يقاس زمنها بالساعات أو الأيام بل بحجم الألم الذي عاشه الإنسان داخلها .
شهادة من قلب الجحيم
عندما التقيت بالحاج طارق بعد سنوات من الواقعة لم يكن يتحدث بلسان رجل نجا من الأسر بل بلسان إنسان ما زالت ذاكرته تعيش هناك بين الصخور وبين أصوات الرصاص وبين صرخات لم تغادر أذنيه حتى اليوم قال لي بهدوء امتزج بالألم
“*كنت أظن أن الإصابة بالرصاص هي أقسى ما يمكن أن أتعرض له •• لكنني اكتشفت أن ما بعدها كان أشد قسوة*.”
وبحسب شهادته لم يتلق أي علاج لإصابته بل تُرك ينزف ساعات طويلة ثم تعرض – كما روى – لوسائل تعذيب قاسية كان الهدف منها تحطيم إرادته وانتزاع اعترافات تتوافق مع ما كان خاطفوه يعتقدونه وكان السؤال الذي يتكرر عليه بصورة شبه يومية “*أين محمد؟*” وقال إنه أدرك أن نجله هو الهدف الحقيقي ولذلك أنكر أبوته له وأجابهم بأنه زوج ابنته وليس ابنه كان يعلم أن الكلمة قد تنقذ حياة ابنه ولو على حساب حياته هو ولم يكن يدري وقتها أنه بدأ أعظم اختبار يمكن أن يمر به أب .
120 يوماً بين الجبال •• شهادة رجل عاد من الموت
الموت •• لم يكن أكثر ما يخشاة
يقول الحاج طارق إن الأيام الأولى من احتجازه كانت الأصعب على الإطلاق فبحسب شهادته لم يكن الألم ناتجاً عن إصابته بطلقي النار في قدمه اليسرى فحسب بل عن إحساسه بأنه أصبح خارج الزمن لا يعلم أين هو ولا ماذا ينتظره ولا هل ستعلم أسرته يوماً أنه ما زال على قيد الحياة ويضيف أنه ظل ينزف ساعات طويلة دون أن يتلقى علاجاً قبل أن تبدأ مرحلة أخرى من المعاناة وبحسب ما رواه فقد أحضر محتجزوه مسماراً حديدياً من نوع “*القلووظ*” وقاموا بتثبيته في موضع إصابته بقدمه بينما كان يصرخ من شدة الألم دون أن يلقى استجابة ثم رُبط ذلك المسمار بسلسلة حديدية أبقته مقيد الحركة لفترات طويلة وقال لي “*كنت أظن أن الإنسان قد يصل إلى مرحلة يعجز فيها عن تحمل الألم لكنني اكتشفت أن قدرة الإنسان على الصبر أكبر مما يتخيل وأن رحمة الله وحدها هي التي كانت تمنحني القوة لأبقى حيًا*”
ويؤكد أن الهدف بحسب ما فهمه لم يكن مجرد احتجازه بل كسر إرادته وإشعاره بالعجز الكامل وكان الطعام شحيحاً والنوم متقطعاً والاستجوابات لا تتوقف لكن أكثر ما كان يرهقه هو الانتظار انتظار قرار لا يعلم متى يصدر ولا كيف سيكون لقد رأيت اكثر من ٦٦ برئ يُذبح امامى بدمٍ بارد لا قلب لا مشاعر لا انسانيه .
المشهد الذي لم يفارق ذاكرتي
وبينما كان الحاج طارق يروي تفاصيل احتجازه توقف طويلاً عند قصة رجل قال إنه لن يستطيع نسيانها ما بقي حياً وبحسب شهادته كان هناك رجل بسيط يمتلك محلاً صغيراً للبقالة في منطقة بغداد بشمال سيناء وكانت قوات الأمن بحكم انتشارها في المنطقة تشتري احتياجاتها من متجره مثلما يشتري منها أهالي المنطقة ويقول الحاج طارق إن ذلك الرجل شعر بالخطر وأنه قد يستهدف فقام بتصفية تجارته وغادر شمال سيناء إلى مسقط رأسه بمحافظة المنيا معتقداً أنه بذلك ابتعد عن دائرة التهديد لكن بحسب روايته فوجئ بعد فترة بوجود الرجل نفسه محتجزاً في المكان ذاته ظل يتساءل في صمت كيف أمكن الوصول إليه بعد أن عاد إلى محافظته المنيا ؟ولم يجد إجابة وأضاف أن الرجل تعرض – وفق ما شاهده – لفترة من الاحتجاز القاسي والعذاب الجسدي الغير مسبوق – كان يتم تقطيع كل يوم جزء من جسده لمده قاربت العشرون يوماً – حتى جاء يوم كان فيه الشخص منهكاً تماماً ويروي الحاج طارق أنه في ذلك اليوم ووفق ما رآه بعينيه أُحضر طفل صغير لم يكن يتجاوز العاشرة من عمره وأُمر بإطلاق النار على ذلك الرجل ويقول إن صدمة المشهد لم تكن في وفاة الرجل وحدها وإنما في أن طفلاً لم يكتمل وعيه لا يملك من حطام الدنيا سوى الابتسامه استُخدم أداةً في فعلٍ من هذا النوع ثم قال لي بصوت خافت
“ في تلك اللحظة أدركت أن الإرهاب لا يقتل الإنسان فقط بل يحاول أن يقتل الطفولة وأن يربي جيلاً يرى العنف أمراً طبيعياً “
وقد بقي هذا المشهد كما أكد من أكثر المشاهد التي تطارده حتى اليوم .
بيئة مغلقة •• وأفكار عابرة للحدود
ومن بين ما رواه الحاج طارق أيضاً أنه لاحظ وجود أشخاص يتحدثون بلغات ولهجات مختلفة ينتمون إلى جنسيات متعددة من بينهم الفلسطينى والسورى والروسي واليمنى وغيرهم كما روى أنه شاهد نساءً جاءت لكى تكون للمتعه ولنكاح الجهاد كما يسمونه المارقين المُغيبين ذهنياً وأطفالاً داخل تلك البيئة وأنه فهم من أحاديث كان يسمعها أن الأطفال يتلقون تدريبات مبكرة على استخدام السلاح وأن النساء كن جزءاً من البيئة التي أقامتها تلك المجموعة وأشار كذلك إلى أنه كان يسمع أحاديث بين بعض أفراد المجموعة عن تلقي توجيهات من قيادات خارج مكان الاحتجاز وأن مصير بعض المحتجزين كان يبقى معلقاً انتظاراً لتلك التوجيهات التى كانت تصدر من العراق إلا أن الحاج طارق أكد أن ما ينقله في هذا الشأن هو ما سمعه أثناء احتجازه من أحد الخاطفين الذى ابلغه ان الأمير فى بغداد أمر بعدم ذبحك الان – وكان الأمير فى مصر يدعى *احمد الحسيسى* – كان من أباطرة تجارة المخدرات والخارجين عن القانون تم تصفيته هوو رفاقه ليكونوا عبره لكن من تسول نفسه ازاء الوطن والمواطن ينتمى لاحد القبائل بسيناء لا اريد ان اذكرها لانها قبيله عظيمه كان ومازالت لها دور كبير مع القوات المسلحة والشرطه المدنيه لبسط الاستقرار والأمان بسيناء .
ثمانية ملايين جنيه •• ثمن الحرية
بعد نحو ستين يوماً بدأت – بحسب شهادته – اتصالات هاتفيه مع أسرته للمطالبة بفدية مالية كبيرة مقابل إطلاق سراحه كانت الأسرة أمام امتحان قاسٍ إما أن ترى رب الأسرة يعود حياً وإما أن تتمسك بثروة استغرق بناؤها عشرات السنين اختار الأبناء والدهم فباعوا المصنع بمنطقة شق الثعبان رغم أنه كان يساوي أضعاف ما بيع به وباعوا ممتلكات أخرى حتى تمكنوا من جمع مبلغ الفدية – فى حديث جانبى مع محمد طارق نجل الحاج طارق روى انه كان يبحث عن مشترى للشقق باى ثمن لكى ينقذ والده منها شقه تتجاوز الثلاث ملايين كان يطلب مليون او اقل لكى يُكمل المبلغ ان الأب اغلى من كنوز الارض هدفنا عودة أبى ونجاته لا نكترس من الحياه سوى الستر ويكون بجانبنا احن حُضن – .
وقال الحاج طارق “*لم يحزنني أنني فقدت مصنعًا بنيته بعرق السنين لكن الذي آلمني أنني رأيت كيف يمكن أن تتحول المحنة عند البعض إلى فرصة للمكسب*”
العودة •• ولكن بأي ثمن؟
بعد مائةٍ وعشرين يوماً عاد الحاج طارق إلى أسرته عاد جسداً أنهكه الألم وروحاً أثقلتها الذكريات قال لي
“*خرجت من الأسر •• لكن الأسر لم يخرج مني*”
فكل ليلة كان يعود بذاكرته إلى تلك الجبال إلى أصوات المحتجزين إلى وجوه الذين لم يعودوا وإلى الدعاء الذي لم يفارق لسانه طوال تلك الأيام .
الدروس المستفادة
إن هذه الشهادة بصرف النظر عن تفاصيلها الفردية تكشف حقيقة استراتيجية مهمة وهي أن الإرهاب لا يستهدف الإنسان لذاته فقط بل يستهدف الدولة من خلال الإنسان فعندما يخاف المستثمر من العمل ويتردد العامل في أداء واجبه ويفقد المواطن ثقته في الأمن يكون الإرهاب قد حقق جزءاً من أهدافه كما تؤكد هذه التجربة أن التطرف لا يهدد الأمن وحده بل يهدد منظومة القيم الإنسانية عندما يحول الطفل إلى أداة للعنف ويجرد الإنسان من الرحمة ويستغل الدين لتبرير الجرائم ولذلك فإن الانتصار الحقيقي على الإرهاب لا يتحقق بالسلاح وحده بل ببناء الإنسان وترسيخ الوعي وتجفيف منابع الكراهية ودعم التعليم والثقافة والفكر المستنير .
أرى أن تختم هذه المحطة بتوصيات لا تكون إنشائية، بل توصيات استراتيجية تعكس شخصية اللواء الدكتور أحمد زغلول مهران، وتخرج بالقارئ من مجرد التعاطف مع الضحية إلى التفكير في كيفية منع تكرار المأساة.
التوصيات الاستراتيجية
إن ما تكشفه هذه الشهادة بصرف النظر عن تفاصيلها الفردية يؤكد أن الإرهاب ليس مجرد أعمال عنف متفرقة بل مشروع يستهدف الدولة والمجتمع والإنسان ومن هنا فإنني أرى أن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي العمل على عدة مسارات متوازية كالتالى :
١- إنشاء أرشيف وطني موثق يجمع شهادات الناجين من الإرهاب وأسر الشهداء وفق ضوابط قانونية وعلمية ليصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية وحتى لا تُختزل التضحيات في أرقام وإحصاءات .
٢- إدراج مخاطر الفكر المتطرف ضمن المناهج التعليمية والبرامج التثقيفية من خلال عرض نماذج واقعية تُرسخ لدى الأجيال الجديدة أن الإرهاب يبدأ بفكرة منحرفة قبل أن يتحول إلى سلاح .
٣- التوسع في برامج الدعم النفسي والاجتماعي للناجين من العمليات الإرهابية وأسرهم فالجراح النفسية قد تبقى سنوات طويلة بعد اندمال الجراح الجسدية .
٤- توفير مظلة حماية أشمل للعاملين والمستثمرين في المناطق الحدودية والنائية باعتبارهم شركاء في حماية الاقتصاد الوطني وضمان استمرار عجلة التنمية في تلك المناطق .
٥- استمرار تنمية سيناء تنميةً شاملة فالتنمية المستدامة إلى جانب الأمن تمثل أحد أهم أسلحة الدولة في مواجهة الفكر المتطرف وترسيخ الاستقرار وخلق فرص العمل وتعزيز ارتباط المواطن بأرضه .
٦- تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في تبادل المعلومات والخبرات لمواجهة التنظيمات المتطرفة وتجفيف مصادر تمويلها والتصدي لوسائل التجنيد والدعاية التي تستغل الفضاء الإلكتروني .
٧- دعم الخطاب الديني الوسطي وتمكين المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية من أداء دورها في تصحيح المفاهيم وتجفيف منابع الكراهيه .
٨- توثيق البطولات والتضحيات التي قدمتها القوات المسلحة والشرطة وكذلك صمود المدنيين في أعمال دراميه ووثائقية وأدبية حتى تبقى حاضرة في وجدان الأجيال وتُدرك الأثمان التي دُفعت من أجل استعادة الأمن والاستقرار .
٩- التأكيد على أن الاستثمار في بناء الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في بناء المشروعات فالعقل الواعي هو الحصن الأول ضد كل فكر متطرف وهو الضمانة الحقيقية لاستقرار الدولة .
١٠ – ترسيخ ثقافة المسؤولية المجتمعية بأن حماية الوطن ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها وإنما هي واجب تشترك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ودور العبادة ومؤسسات المجتمع المدني لأن الإرهاب يسعى إلى تفكيك المجتمع قبل أن يستهدف مؤسسات الدولة .
لقد علمتني هذه المحطة أن الإرهاب لا يهزم الإنسان حين يقيده بالسلاسل وإنما يهزمه إذا نجح في أن ينتزع منه إيمانه بوطنه أو ثقته في مستقبله.
أما مصرنا الحبيبه
فقد أثبتت عبر تاريخها أنها قد تتألم لكنها لا تنكسر وقد تدفع ثمناً باهظاً لكنها تنتصر في النهاية لأن وراءها شعباً يعرف قيمة وطنه وجيشاً يحمي أرضه وشرطةً تصون أمنه وإرادةً وطنية لا تقبل المساومة.
ويبقى الدرس الذي أود أن يخرج به كل قارئ من هذه المحطة هو أن الأمن ليس شعاراً يُردد بل نعمة تُبنى بالتضحيات وأن الوطن ليس قطعة من الأرض فحسب بل هو كرامة الإنسان وأمان أسرته ومستقبل أبنائه وحين ندرك هذه الحقيقة ندرك لماذا كانت معركة مصر ضد الإرهاب معركة وجود وليست مجرد معركة أمنية*
فى النهايه •• بعد أن انتهى الحاج طارق من رواية شهادته بقي سؤال واحد يلح عليّ:
كم من القصص المشابهة لم تُروَ بعد؟
لقد أدركت أن الحروب لا تُقاس فقط بعدد المعارك التي تُحسم ولا بعدد الإرهابيين الذين يُقضى عليهم وإنما تُقاس ايضاً بعدد الأرواح التي أُنقذت وعدد الأسر التي تماسكت وعدد المواطنين الذين رفضوا أن يستسلموا للخوف إن هذه المحطة ليست دعوة إلى استحضار الألم بل دعوة إلى فهم ثمن الأمن فالوطن الذي ينعم بالاستقرار اليوم لم يصل إلى ذلك إلا بتضحيات جسام وبصمود رجال في ميادين القتال ومدنيين واجهوا المحنة بإيمان وصبر وأسر دفعت من أموالها وأعصابها وأعمارها ثمناً لبقاء الحياة .
*ويبقى الدرس الأكبر*
أن الإرهاب قد يستطيع أن يسلب إنساناً حريته أو ماله أو سنواتٍ من عمره لكنه لن ينتصر ابداً على وطنٍ يملك جيشاً يحميه وشعباً يرفض الانكسار ووعياً يدرك أن بناء الإنسان هو السلاح الأقوى في مواجهة كل فكرٍ يقدس الموت ويعادي الحياة .
نبذة تعريفية بالكاتب : اللواء دكتور أحمد زغلول مهران مساعد مدير المخابرات الحربية السابق – حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية – خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية ـ تتهافت الصحف والمواقع المحلية والعربية لنشر مقالاتة وتحليلاتة الامنية والعسكرية لما له من تاريخ طويل في العمل العسكري داخل جهاز المخابرات الحربية مما يجعل تحليلاتة مصدر موثوق للمعلومة .








