أسرار وتجارب اللواء د. أحمد زغلول مهرانمحطات في حياتى

لواء د . احمد زغلول مهران يكتب : لماذا تعجز الثروة والنفوذ عن شراء الاحترام وصناعة السمعة؟

عندما يصبح المال وسيلة لتجاوز القانون


في عصر تتسارع فيه المؤشرات الاقتصادية وتتصدر قوائم الأثرياء عناوين الأخبار وتغزو مظاهر الرفاهية منصات التواصل الاجتماعي أصبح الكثيرون يربطون بين حجم الثروة وبين قيمة الإنسان حتى بات امتلاك القصور والسيارات الفارهة واليخوت والطائرات الخاصة في نظر البعض دليلاً على النجاح المطلق إلا أن هذه النظرة رغم بريقها تخفي حقيقة أكثر عمقاً وهي أن المال مهما بلغت قوته يظل عاجزاً عن شراء أهم ما يحتاجه الإنسان ( الاحترام والثقة والسمعة الطيبة ومحبة الناس )

فالمال يستطيع أن يوفر المأكل والمشرب والملبس والمسكن وأن يحقق أعلى درجات الرفاهية لكنه لا يستطيع أن يمنح صاحبه ضميراً حياً أو أخلاقاً رفيعة أو مكانة حقيقية في وجدان المجتمع فالاحترام لا يُباع في الأسواق ولا يُقاس بالأرصدة البنكية بل يُكتسب عبر سنوات من الصدق والنزاهة والعطاء والالتزام بالقانون ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس كم يملك الإنسان؟ بل كيف حصل على ما يملك؟ وكيف استخدمه؟ وماذا ترك من أثر في مجتمعه ووطنه؟

*الثروة بين نعمة البناء وفتنة السقوط*

لقد جعل الله المال وسيلة لعمارة الأرض وتحقيق التنمية وتلبية احتياجات الإنسان ولم يجعله معياراً للتفضيل بين البشر فالمال في جوهره نعمة إذا اقترن بالعمل الشريف وتحول إلى وسيلة لخدمة المجتمع ودعم الاقتصاد ومساعدة المحتاجين وتمويل التعليم والصحة والبحث العلمي لكن هذه النعمة قد تتحول إلى فتنة إذا أصبح المال غاية في ذاته أو إذا استخدم صاحبه نفوذه المالي لشراء الولاءات أو فرض الهيمنة أو تجاوز القانون أو الاعتداء على حقوق الآخرين ولذلك فإن المجتمعات المتحضرة لا تنظر إلى حجم الثروة بقدر ما تنظر إلى مشروعيتها وإلى الأثر الذي تتركه في حياة الناس فكم من رجل أعمال أصبح رمزاً وطنياً لأنه جعل من ثروته وسيلة للبناء وكم من صاحب مال تحول إلى نموذج سلبي لأنه اعتقد أن المال يمنحه حصانة فوق القانون .

*الاحترام •• الثروة التي لا يمكن شراؤها*

هناك فرق جوهري بين الخوف والاحترام وبين المجاملة والتقدير الحقيقي فقد يحيط بصاحب المال أشخاص يصفقون له ويثنون عليه لكن كثيراً من هؤلاء قد تحركهم المصالح لا القناعة وتنتهي علاقتهم به بمجرد انتهاء المنفعة أما الاحترام الحقيقي فهو شعور صادق ينبع من اقتناع الناس بأخلاق الإنسان وعدالته ونزاهته وهو رصيد يتراكم مع الزمن ولا يمكن أن يُشترى مهما بلغت الثروة ولعل أجمل ما يمكن ملاحظته أن التاريخ لم يحفظ أسماء كثير من أصحاب الأموال لكنه حفظ أسماء العلماء والمصلحين والقادة الشرفاء وأصحاب المبادئ لأن ما بقي في الذاكرة لم يكن حجم ممتلكاتهم بل حجم تأثيرهم ولهذا نجد أن الإنسان قد يمتلك كل أسباب الثراء لكنه يظل فقيراً إذا افتقد احترام الناس بينما قد يعيش آخر حياة بسيطة لكنه يملك ثروة لا تقدر بثمن تتمثل في محبة المجتمع وثقته .

*عندما يتحول النفوذ المالي إلى خطر على المجتمع*

تكمن الخطورة الحقيقية عندما يعتقد بعض أصحاب الثروات أن المال يمنحهم الحق في تجاوز القانون أو فرض إرادتهم على الآخرين فاستغلال النفوذ المالي لشراء الذمم أو التهرب من المسؤولية أو الإضرار بالمنافسة العادلة أو الاعتداء على حقوق المواطنين يمثل تهديداً مباشراً لمنظومة العدالة وسيادة القانون وقد شهدت دول عديدة حول العالم نماذج لأشخاص امتلكوا ثروات هائلة لكنهم استخدموها بطرق غير مشروعة أو سعوا إلى توظيف نفوذهم لتحقيق مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة فانتهى الأمر بخضوعهم للمساءلة القانونية أو بتراجع مكانتهم الاجتماعية وتؤكد هذه الوقائع أن النفوذ المالي لا ينبغي أن يكون مظلة للإفلات من القانون وأن العدالة هي الضامن الحقيقي لاستقرار المجتمعات وحماية حقوق الإنسان ومن هنا فإن خطورة المال لا تكمن في وجوده بل في غياب الضمير الذي يوجهه وفي انعدام الرقابة التي تمنع إساءة استخدامه وفي الثقافة التي تبرر الثراء مهما كانت وسائله .

*القصور قد تُشترى •• أما المكانة فلا تُشترى*

يمكن للإنسان أن يشتري أفخم منزل في أرقى الأحياء وأن يمتلك أحدث السيارات وأغلى المجوهرات وأفخم المقتنيات لكنه لن يستطيع شراء ليلة هادئة إذا كان ضميره مثقلاً بالظلم ولن يستطيع شراء دعوة صادقة من فقير أحسن إليه ولن يتمكن من شراء احترام طفل تعلم منه معنى الأمانة إن المكانة الحقيقية لا تُبنى بالإعلانات ولا بالمظاهر وإنما تُبنى بالمواقف والموقف الواحد الصادق قد يرفع صاحبه في أعين الناس أكثر مما ترفعه مليارات الدولارات ولهذا فإن أعظم استثمار يمكن أن يحققه الإنسان ليس في الذهب أو العقارات بل في سمعته لأن السمعة الطيبة هي رأس المال الوحيد الذي يزداد كلما أنفق صاحبه من أخلاقه بينما قد تتآكل الثروات مهما بلغت .

*القناعة •• سر الثراء الذي لا يعرف الإفلاس*

في عالم يلهث خلف المزيد تظل القناعة من أندر القيم وأعظمها فهي ليست دعوة إلى التوقف عن الطموح وإنما دعوة إلى أن يكون الطموح محكوماً بالأخلاق والقانون والرضا فالإنسان القنوع يعمل ويجتهد ويسعى إلى النجاح لكنه لا يسمح للجشع أن يقوده إلى استغلال الآخرين أو مخالفة القانون أو التفريط في مبادئه ولذلك كان الرضا دائماً هو الحصن الذي يحمي الإنسان من السقوط في مستنقع الفساد لأن من عرف قيمة نفسه لن يبيعها مهما أغرته الأموال وفي المقابل فإن غياب القناعة هو البوابة التي يدخل منها الطمع ثم يتحول الطمع إلى فساد ويتحول الفساد إلى انهيار أخلاقي ينعكس على المجتمع بأكمله .

*رأس المال الأخلاق •• الثروة التي لا تخضع لتقلبات الأسواق*

إذا كان الاقتصاد الحديث يقيس قوة الشركات بحجم أصولها ورؤوس أمواله فإن المجتمعات تقاس بقيمة أخرى أكثر عمقاً وهي رأس المال الأخلاقي فهذا النوع من الثروة لا يُودع في البنوك ولا يتأثر بتقلبات الأسواق أو الأزمات المالية بل يتجسد في الصدق والأمانة والشفافية والعدالة واحترام الإنسان للإنسان إن الدولة التي تمتلك مؤسسات نزيهة وقضاءً مستقلاً وإعلاماً مسؤولاً ومواطنين يحترمون القانون تمتلك رأس مال أخلاقياً يجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة وعلى العكس فإن انتشار ثقافة استغلال النفوذ والفساد يقوض الثقة بين الدولة والمجتمع ويخلق بيئة طاردة للاستثمار ويهدد الأمن والاستقرار ولهذا فإن بناء الإنسان أخلاقياً لا يقل أهمية عن بناء الطرق والمصانع والمشروعات القومية لأن التنمية الحقيقية تبدأ من الضمير قبل أن تبدأ من الاقتصاد

*عندما يصبح المال وسيلة لتجاوز القانون*

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو الاعتقاد بأن المال قادر على شراء العدالة أو تعطيلها فحين يتصور البعض أن النفوذ المالي يمنح صاحبه امتيازات استثنائية تبدأ منظومة القيم في التآكل ويتحول القانون في نظر الناس إلى أداة تُطبق على الضعفاء فقط ولا يقتصر الأمر على الجرائم الاقتصادية أو المالية بل يمتد إلى كل سلوك يستخدم فيه المال للتأثير على الحقوق أو الالتفاف على القواعد المنظمة للحياة العامة أو الإضرار بالمصلحة الوطنية وهنا يصبح المال خطراً على المجتمع إذا انفصل عن المسؤولية الأخلاقي ومن ثم فإن مكافحة استغلال النفوذ ليست مجرد معركة قانونية بل هي معركة للحفاظ على ثقة المواطنين في العدالة وترسيخ مبدأ أن الجميع سواء أمام القانون وأن الكفاءة والعمل الشريف هما الطريق الحقيقي للنجاح .

*المجتمع لا يحتاج إلى أثرياء فقط بل إلى قدوات*

الأمم لا تنهض بالمباني الشاهقة وحدها بل تنهض بالإنسان الذي يشيدها ويحافظ عليها ولهذا فإن المجتمع في أمسّ الحاجة إلى نماذج ناجحة حققت ثروتها بالاجتهاد والابتكار والالتزام لتكون مصدر إلهام للأجيال القادمة فالقدوة الحقيقية ليست من يملك أكثر وإنما من يعطي أكثر وليس من يفرض هيبته بالنفوذ بل من يفرض احترامه بالأخلاق وقد أثبتت التجارب أن تأثير القدوة الصالحة يمتد لعقود طويلة بينما يختفي بريق المال سريعاً إذا فقد صاحبه سمعته

إن الأب الذي يربي أبناءه على الصدق والمعلم الذي يغرس قيمة العمل والطبيب الذي يخلص في أداء رسالته والجندي الذي يذود عن وطنه ورجل الأعمال الذي يلتزم بالمسؤولية المجتمعية جميعهم يساهمون في بناء الوطن أكثر مما تفعله الثروات المجردة من القيم .

*الولاء والانتماء •• مسؤولية تبدأ من الضمير*

الولاء للوطن لا يُقاس بالشعارات وإنما بالممارسة اليومية فالمواطن المخلص هو من يحافظ على المال العام ويحترم القانون ويؤدي عمله بإتقان ويرفض الفساد ويدافع عن حقوق الآخرين كما يدافع عن حقوقها كما أن الانتماء الحقيقي يبدأ من الأسرة ثم يمتد إلى المدرسة فالمجتمع، وصولاً إلى الوطن وكلما شعر الإنسان بأن نجاحه الشخصي مرتبط بنجاح وطنه أصبح أكثر استعداداً للتضحية والعمل والبذل .

ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي ألا يتحول المال إلى وسيلة للإضرار بالمجتمع أو احتكار الفرص أو تعطيل العدالة بل إلى أداة لدعم التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية وخلق فرص العمل وتعزيز الاستقرار .

*الدروس المستفادة*

إن التجارب الإنسانية تؤكد مجموعة من الحقائق التي لا تتغير مهما اختلفت الأزمنة على النحو التالى :

١- المال وسيلة لتحقيق الحياة الكريمة، لكنه ليس مقياساً لقيمة الإنسان .
٢- الاحترام يُكتسب بالأخلاق والالتزام ولا يمكن شراؤه بالنفوذ أو الثروة .
٣- السمعة الطيبة تُبنى عبر سنوات وقد تهدمها لحظة واحدة من الفساد أو استغلال السلطة .
٤- سيادة القانون هي الضمان الحقيقي لاستقرار المجتمع وحماية الحقوق والحريات .
٥- القناعة والرضا يمثلان صمام أمان يحول دون الانزلاق إلى الطمع والكسب غير المشروع .
٦- المسؤولية المجتمعية جزء لا يتجزأ من نجاح أي صاحب ثروة أو نفوذ .
٧- بناء الإنسان أخلاقياً هو الاستثمار الأكثر ربحاً والأطول أثراً في تاريخ الأمم .
٨- التاريخ يخلد أصحاب المبادئ أكثر مما يخلد أصحاب الثروات .

*توصيات استراتيجية لتعزيز رأس المال الأخلاقي*

انطلاقاً من أهمية ترسيخ منظومة القيم في مواجهة سطوة المال يمكن طرح عدد من التوصيات العملية :
١-تعزيز مبدأ سيادة القانون وتطبيقه على الجميع دون تمييز بما يرسخ الثقة في العدالة ويمنع أي محاولة لاستغلال النفوذ .

٢- تطوير منظومة مكافحة الفساد والكسب غير المشروع ودعم الأجهزة الرقابية بالأدوات القانونية والتقنية الحديثة .

٣- إدماج مفاهيم النزاهة والشفافية والمسؤولية المجتمعية في المناهج التعليمية وبرامج إعداد الشباب .

٤- تشجيع رجال الأعمال على توجيه جزء من استثماراتهم إلى التعليم والصحة والبحث العلمي والمبادرات المجتمعية باعتبار ذلك استثماراً في مستقبل الوطن .

٥- دعم الإعلام الهادف الذي يبرز قصص النجاح القائمة على الكفاءة والعمل الشريف ويواجه ثقافة الثراء السريع بأي وسيلة .

٦- حماية حقوق الإنسان والآداب العامة باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للاستقرار المجتمعي والعمل على ترسيخ ثقافة احترام الكرامة الإنسانية في جميع مؤسسات الدولة .

٧- ترسيخ مفهوم أن الولاء الحقيقي للوطن يبدأ من احترام القانون والحفاظ على مقدرات الدولة وأن خدمة المجتمع هي أعلى درجات الانتماء الوطني .

*رسالة إلى الأجيال القادمة •• لا تجعلوا المال غايتكم*

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن ينشأ جيل يعتقد أن النجاح يقاس بحجم الحساب البنكي وأن الغاية تبرر الوسيلة وأن النفوذ يمكن أن يحل محل الكفاءة وأن المال قادر على شراء كل شئ فهذه الثقافة لا تهدد الأفراد فحسب بل تهدد مستقبل الأوطان بأكملها .

إن الأجيال الجديدة بحاجة إلى أن تدرك أن الثروة الحقيقية ليست فيما يملكه الإنسان بل فيما يمثله من قيم وما يتركه من أثر فالعلم يرفع صاحبه والعمل الشريف يخلد اسمه والنزاهة تبني مستقبله أما المال إذا انفصل عن الأخلاق فقد يتحول إلى سبب في سقوطه مهما بلغ حجمه ولهذا فإن الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلام جميعها تتحمل مسؤولية غرس هذه المبادئ في نفوس الشباب حتى يدركوا أن الطريق الأقصر إلى المال ليس دائماً الطريق الصحيح وأن المكسب غير المشروع قد يمنح صاحبه ثراءً مؤقتاً لكنه يسلبه راحة الضمير واحترام المجتمع .

*عندما تنتصر الأخلاق على النفوذ*

لقد أثبتت تجارب الدول المتقدمة أن العدالة لا تستقيم إلا عندما يخضع الجميع للقانون دون استثناء وأن هيبة الدولة لا تتحقق بقوة مؤسساتها الأمنية وحدها بل بثقة المواطن في أن القانون يطبق على الجميع وأن النفوذ المالي أو الاجتماعي لا يمنح صاحبه امتيازاً فوق حقوق الآخرين ومن هنا فإن محاربة الفساد ليست مجرد واجب حكومي بل مسؤولية وطنية يشترك فيها المواطن والإعلام والقضاء ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص فكل جنيه يُكتسب بطرق مشروعة يسهم في بناء الوطن وكل مال يُجمع باستغلال النفوذ أو مخالفة القانون يهدم جزءاً من الثقة التي يقوم عليها المجتمع ولهذا فإن أعظم رسالة يمكن أن تقدمها الدولة لمواطنيها هي أن العدالة لا تُشترى وأن الكرامة الإنسانية لا تُساوم وأن القانون هو المظلة التي تحمي الجميع دون تفرقة .

*رأس المال الأخلاقي •• أساس الأمن القومي والتنمية المستدامة*

قد يظن البعض أن الأمن القومي يرتبط فقط بالقوة العسكرية أو الإمكانات الاقتصادية لكن الحقيقة أن أحد أهم أعمدته هو رأس المال الأخلاقي للمجتمع فالدولة التي تنتشر فيها النزاهة والشفافية والعدل تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأكثر جذباً للاستثمار وأكثر استقراراً سياسياً واجتماعياً إن الفساد لا يستنزف الأموال فحسب بل يستنزف ثقة المواطنين ويقوض الشعور بالمساواة ويخلق فجوة بين المجتمع ومؤسساته وفي المقابل فإن احترام القانون وتعزيز قيم النزاهة يصنعان بيئة يشعر فيها الجميع بأن حقوقهم مصونة وأن الفرص تُمنح على أساس الكفاءة لا النفوذ ومن هنا فإن الاستثمار في الأخلاق لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية بل هو الضمان الحقيقي لاستدامة أي مشروع تنموي أو اقتصادي .

*نحو مجتمع يكرم أصحاب المبادئ قبل أصحاب الثروات*

إن المجتمع الذي يرفع من شأن أصحاب العلم والعمل والأخلاق هو مجتمع يبني مستقبله على أسس راسخة أما المجتمع الذي يجعل المال وحده معياراً للتقدير فإنه يفتح الباب أمام ثقافة الاستعراض والجشع والفساد ولذلك يجب أن نعيد صياغة مفهوم النجاح في وعينا الجمعي بحيث يكون النجاح الحقيقي هو القدرة على تحقيق الإنجاز مع الحفاظ على الشرف والنزاهة واحترام القانون فلا قيمة لثروة تُبنى على ظلم ولا معنى لمنصب يُستخدم للإضرار بالآخرين ولا مكانة حقيقية لنفوذ يخالف العدالة إن أعظم تكريم يمكن أن يحصل عليه الإنسان ليس ما يملكه من أموال بأن يقال عنه بعد رحيله كان نزيهاً وكان أميناً وكان نافعاً لوطنه ومجتمعه .

*رؤية استراتيجية لبناء رأس المال الأخلاقي*

إن بناء مجتمع متماسك لا يتحقق بالشعارات بل بخطة متكاملة ترتكز على خمسة محاور رئيسية كالتالى :

١- تعزيز سيادة القانون وترسيخ مبدأ المساواة الكاملة أمام العدالة بحيث لا يكون المال أو المنصب أو النفوذ سبباً في الإفلات من المساءلة .

٢- بناء منظومة تعليمية تغرس قيم الأمانة والانضباط والمسؤولية المجتمعية منذ المراحل الأولى حتى يصبح الالتزام الأخلاقي جزءاً من شخصية الفرد .

٣- دعم الإعلام الوطني المسؤول ليكون شريكاً في إبراز النماذج الإيجابية ومواجهة ثقافة تمجيد الثراء غير المشروع أو الشهرة الزائفة .

٤- تشجيع القطاع الخاص على تبني برامج المسؤولية المجتمعية وربط النجاح الاقتصادي بالمساهمة في تنمية المجتمع وتحسين جودة الحياة 

٥- ترسيخ ثقافة الولاء والانتماء بحيث يدرك كل مواطن أن حماية القانون واحترام حقوق الآخرين والحفاظ على المال العام هي صور حقيقية من صور حب الوطن .

لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي جعلت الأخلاق أساساً للحكم والإدارة والاقتصاد استطاعت أن تبني حضارات باقية بينما انهارت إمبراطوريات امتلكت المال والقوة لكنها فقدت العدل والقيم فالمال وحده لا يصنع أمة والنفوذ وحده لا يبني مجداً والسلطة وحدها لا تمنح صاحبها الخلود .

إن الإنسان قد ينجح في شراء منزل فاخر لكنه لا يستطيع شراء أسرة تحبه بصدق وقد يقتني أفخم السيارات لكنه لن يشتري راحة الضمير وقد يجمع المليارات لكنه لن يشتري احترام الناس إذا كان قد فرط في مبادئه أو استغل نفوذه أو تجاوز القانون .

ولهذا فإن الرهان الحقيقي لأي مجتمع لا يجب أن يكون على تراكم الثروة وحدها بل على بناء الإنسان الذي يحسن استخدامها فالثروة بلا أخلاق قد تتحول إلى أداة للهيمنة والفساد أما الثروة التي تقودها القيم فتصبح قوة دافعة للتنمية والعدالة والازدهار .

*وفي نهاية ••* سيُغلق آخر حساب مصرفي وستنتقل الممتلكات إلى أصحابها الجدد وستطفأ أضواء القصور لكن شيئاً واحداً سيظل حاضراً لا يزول •• سيرة الإنسان فهي المرآة التي تعكس حقيقته والإرث الذي يورثه للأجيال والشهادة التي ينطق بها الناس دون طلب .

فاجعل من النزاهة رصيدك الأكبر ومن الصدق عنوانك ومن خدمة وطنك رسالتك ومن احترام القانون منهجك لأن رأس المال الأخلاقي هو الثروة الوحيدة التي لا تُسرق ولا تفقد قيمتها ولا تتأثر بالأزمات بل تزداد بريقاً كلما اقترنت بالعمل الصالح والإخلاص والعدل .

وعندما يكتب التاريخ صفحاته الأخيرة عن الإنسان لن يسأل كم كان يملك بل سيسأل ماذا قدّم؟ وكيف عاش؟ وماذا ترك في قلوب الناس؟ وهنا فقط تتجلى الحقيقة الخالدة فى *أن المال قد يصنع الرفاهية لكن الأخلاق وحدها هي التي تصنع الاحترام وتبني السمعه وتخلد أصحابها في ذاكرة الأوطان

نبذة تعريفية بالكاتب : اللواء دكتور أحمد زغلول مهران مساعد مدير المخابرات الحربية السابق – حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية – خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية ـ تتهافت الصحف والمواقع المحلية والعربية لنشر مقالاتة وتحليلاتة الامنية والعسكرية لما له من تاريخ طويل في العمل العسكري داخل جهاز المخابرات الحربية مما يجعل تحليلاتة مصدر موثوق للمعلومة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى