صبري موسى يكتب: مرض الجدري.. خنجر مسموم يهدد الفلاح المصري منفردًا

في الوقت الذي يحتاج فيه المواطن المصري، وخاصة الفلاح البسيط، إلى الدعم والمساندة من وزارة الزراعة والجهات المعنية بالصحة والطب البيطري، يجد نفسه في كثير من الأحيان وحيدًا أمام أزمات تهدد مصدر رزقه ورأس ماله، وفي مقدمتها الأمراض التي تصيب الثروة الحيوانية، وعلى رأسها مرض الجدري والحمى القلاعية.
ولا تمثل هذه الأمراض خطرًا على الماشية فقط، بل تمتد آثارها إلى الفلاح والاقتصاد والأمن الغذائي، خاصة أن الثروة الحيوانية تمثل جزءًا أساسيًا من مصادر دخل آلاف الأسر الريفية، وأي خسائر كبيرة فيها قد تدفع الفلاح إلى دوامة من الديون والخسائر يصعب الخروج منها.
وهنا يطرح الواقع سؤالًا مهمًا: لماذا لا تتحرك أجهزة الطب البيطري والوقائي بالسرعة الكافية في مواجهة الأزمات التي تهدد الثروة الحيوانية والأمن الغذائي؟
فالفلاح الذي قضى سنوات من العمل والشقاء في تربية الماشية يجد نفسه أمام خطر فقدان رأس ماله في أيام قليلة، بينما تمثل أسعار بعض الجرعات والأدوية والعلاجات عبئًا يفوق قدرات كثير من صغار المربين.
ولا يمكن النظر إلى هذه الأزمة باعتبارها مشكلة فردية تخص مربيًا أو قرية بعينها؛ فالمرض الذي ينتشر بين الماشية قد يتحول إلى أزمة أوسع، إذا لم تتم مواجهته بصورة سريعة ومنظمة من خلال التحصين، والرصد المبكر، والتوعية، وتوفير العلاج والرعاية البيطرية اللازمة.
الفلاح لا يحتاج إلى كلمات تعاطف فقط، وإنما يحتاج إلى تدخل حقيقي وقت الأزمة.
فوجود فرق بيطرية قادرة على الوصول إلى القرى والمناطق المتضررة، وتوفير التحصينات بأسعار مناسبة، وتقديم الإرشادات اللازمة للمربين، يمثل خط الدفاع الأول لحماية الثروة الحيوانية، وتقليل حجم الخسائر التي قد يتكبدها الفلاح والدولة معًا.
كما أن المحافظات التي تظهر بها بؤر أو مؤشرات لانتشار الأمراض الحيوانية مطالبة برفع درجة الاستعداد، والتنسيق المستمر مع أجهزة الطب البيطري، وسرعة التعامل مع أي بلاغات أو حالات اشتباه، بدلًا من الانتظار حتى تتسع دائرة الإصابة.
ومن هنا، فإن تدخل الدولة في مثل هذه الأزمات ليس ترفًا ولا مجاملة، بل ضرورة ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي الغذائي. فحماية الفلاح تعني حماية الإنتاج الحيواني، وحماية الإنتاج الحيواني تعني الحفاظ على أحد مقومات الأمن الغذائي للمصريين.
وهنا يأتي دور مجلس النواب في متابعة هذا الملف، وطرح الأسئلة على الجهات المختصة، ومناقشة مدى جاهزية منظومة الطب البيطري والوقائي للتعامل مع الأمراض التي تهدد الثروة الحيوانية، والعمل على إيجاد آليات تضمن وصول الدعم والخدمات البيطرية إلى صغار المربين.
كما أن لجان مجلس الشيوخ المعنية مطالبة بفتح هذا الملف، والاستماع إلى ممثلي الفلاحين والمتخصصين والمسؤولين، للوقوف على حجم المشكلة وأسبابها، ووضع توصيات عملية قابلة للتنفيذ.
أما المحافظات والمجالس المحلية، فعليها مسؤولية أساسية في متابعة أوضاع المربين، ورصد المناطق الأكثر احتياجًا، والتنسيق مع الجهات البيطرية لاتخاذ الإجراءات الوقائية والعلاجية اللازمة.
فلاحو مصر ليسوا وحدهم في مواجهة المرض، أو هكذا يجب أن يكون.
إنقاذ الماشية قبل فوات الأوان، وتوفير الدعم للفلاح في وقت الأزمة، وتعزيز منظومة التحصين والرعاية البيطرية، كلها خطوات لا تحتمل التأجيل، لأن الخسارة في الثروة الحيوانية لا تعني فقط ضياع مال فلاح بسيط، وإنما تمثل خسارة في الإنتاج ومورد مهم من موارد الأمن الغذائي المصري.
فلاحو مصر في حاجة إلى من يسمع صوتهم، والثروة الحيوانية في حاجة إلى حماية، والأمن الغذائي الحيواني في حاجة إلى تحرك عاجل ومسؤول.
● كاتب المقال: عضو نموذج محاكاة مجلس الشيوخ




