طارق دراز يكتب: المحليات في مصر.. ركيزة التنمية الغائبة وفرصة حقيقية لتمكين الشباب

في قلب المشهد السياسي والتنموي المصري، تبرز قضية الإدارة المحلية كواحدة من أكثر الملفات إلحاحًا وتأثيرًا في حياة المواطنين اليومية. فرغم أن المحليات تمثل الخط الأول في تقديم الخدمات والتعامل مع مشكلات الشارع، إلا أنها لا تزال تعاني من تحديات مزمنة، جعلت دورها أقل فاعلية مما ينبغي. ومع ذلك، تظل المحليات بوابة حقيقية للإصلاح، خاصة إذا اقترن تطويرها بتمكين حقيقي للشباب.
تُعد الإدارة المحلية الأداة التنفيذية الأقرب للمواطن، حيث تتولى مسؤوليات مباشرة مثل النظافة، وتخطيط المدن، وصيانة الطرق، وتنظيم الأسواق، فضلًا عن تنفيذ السياسات الحكومية على المستوى القاعدي. ومن هنا، فإن كفاءة المحليات تنعكس بشكل مباشر على جودة حياة المواطن، سواء في الريف أو الحضر.
لكن الواقع يشير إلى فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة والدور المأمول. فضعف الصلاحيات، وتعقيد الإجراءات، ونقص الكوادر المدربة، كلها عوامل ساهمت في تراجع أداء المحليات، وجعلت المواطن يشعر بغيابها أو عدم فاعليتها في حل مشكلاته اليومية. كما أن تأخر إجراء انتخابات المجالس المحلية لسنوات طويلة حرم المجتمع من آلية رقابية مهمة، وأضعف المشاركة الشعبية في صنع القرار المحلي.
في هذا السياق، يبرز تمكين الشباب كحل استراتيجي لإعادة الحيوية إلى هذا القطاع. فالشباب يمثلون النسبة الأكبر من السكان في مصر، ويمتلكون طاقات وقدرات يمكن أن تسهم في تطوير الأداء المحلي. إن إشراك الشباب في المجالس المحلية لا يقتصر فقط على تحقيق العدالة التمثيلية، بل يمتد ليشمل ضخ أفكار جديدة، واستخدام أدوات حديثة في الإدارة، مثل التحول الرقمي، وتحليل البيانات، والتواصل المجتمعي الفعال.
وقد شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا من الدولة بملف تأهيل الشباب، من خلال برامج تدريبية ومبادرات مثل الأكاديمية الوطنية للتدريب، التي تستهدف إعداد كوادر شابة قادرة على القيادة. إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذا التأهيل إلى فرص فعلية للمشاركة في مواقع صنع القرار، وعلى رأسها المحليات.
إن إصلاح منظومة الإدارة المحلية في مصر يتطلب رؤية شاملة، تبدأ بتحديث التشريعات المنظمة لعمل المحليات، ومنحها صلاحيات أوسع، وتعزيز استقلاليتها المالية، مرورًا ببناء قدرات العاملين بها، وانتهاءً بإجراء انتخابات محلية نزيهة تضمن تمثيلًا حقيقيًا للمجتمع، خاصة الشباب والمرأة.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية دون إدارة محلية قوية وفعالة. فالمحليات ليست مجرد جهاز خدمي، بل هي مدرسة للديمقراطية، ومنصة لتأهيل القيادات، وأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية. وتمكين الشباب داخل هذا الإطار ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية تفرضها تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل.




